جريدة الإتحاد - 2/18/2026 12:21:06 AM - GMT (+4 )
نُصاب بخيبة أمل عندما لا تسعفنا اللغة في التعبير عن مشاعرنا، نعيش في مفارقة مؤلمة، بسبب ذلك الإحساس الذي يبدو جلياً في صدورنا، فيما يصبح التعبير عنه مبهماً، أو غامضاً، هذا إن خرج! صدقوني هذا شعور خانق لمن عاشه، خصوصاً أولئك الذين يمرون بتجارب صادقة، تتحول فيها اللغة إلى هواء عصي لا تسعه صدورهم، وهذا مؤلم حقاً.. ليس لأن إحساس التجربة مؤلم بالضرورة، بل لأن عدم تسميته يربك صاحبه ويحبسه، ويذهب به إلى الفوضى.
تخيّل لو أن الأمر عكس ذلك! هناك فائض في القدرة على وصف المشاعر، غزارة في شرح الإحساس، وتدفق لغوي في سبر العواطف وعرضها، فكيف سيكون حال تلك المشاعر؟!
بدأت بهذه المقدمة لأني أعرف من لديه هذا الثراء في الوصف والتعبير، إنها كاتبة تستطيع أن تحول موقف أو حالة عاطفية إلى عمل أدبي ثري تعرضه على امتداد صفحات رواية، تقرأه بلا ملل، رغم أنه يقول جملة واحدة: «هذا القلب يتعاطى مع الحب بوقار»!
تستخدم الشاعرة والأديبة «كلثم عبدالله» لغتها كشبكة، تصيد بها الشعور وتحميه من غياب المعنى في دوامة الفوضى الداخلية، إنها تُسمي الأحاسيس بحرفية، وتعطي المشاعر شكلاً، وتمنح العواطف وجوداً خارج الجسد، ككائن مستقل تراه وتتعاطى معه.
تضيء كلثم في روايتها «كندة.. عطر يبقى»، اللحظة العاطفية التي تعيشها بطلة روايتها، فتتمكن من رؤية المشاعر والأحاسيس والعواطف على حقيقتها، فتعلمنا أن نسج الجمل والعبارات بكثافة غنيه مستحقة، بلا تقصير أو مبالغة، يجعل مشاعرنا قابلة للتأمل والتطويع، الأمر الذي يحميها من الانزلاق إلى الهاوية.
تستخدم كندة بطلة الرواية في علاقتها مع الشاب دفتراً صغيراً، لا لكي تدوّن فيه مشاعرها فقط، بل لكي تؤطرها، تعيد هندستها لكي يتحمل قلبها ما تشعر به، دون أن ينكسر.
كثيرون يشعرون حتى الإملاء، لكن القلة من يطوعون عواطفهم، فاللغة عندهم لا تصف الإحساس فقط، بل تعيد تشكيله وتهذبه، وتمنحه حدوداً يمكن العيش داخلها، غير أن الأهم من ذلك، هو التحول الذي يحدث في ميزان القوى، عندما تتحول السيادة إلى صاحب المشاعر فيصبح فاعلاً بعد أن كان مفعولاً به. في رواية «كندة عطر يبقى»، لا يعد التعبير ترفاً لغوياً، بل فعل نجاة، فما يقال ويكتب يمكن احتماله.. أما ما يبقى دون ذلك فيظل قوة طائشة، تعبث بصاحبها.
إقرأ المزيد


