جريدة الإتحاد - 2/18/2026 12:29:23 AM - GMT (+4 )
لماذا يُعَدُّ الجهل بالخوارزميات الحصن الأخير للإنسان في عصر الخوارزميات الكلية؟ في اللحظة التي يتباهى فيها العالم ببلوغ الذكاء الاصطناعي العام عتبة السيادة المعرفية، يسقط الجنس البشري في فخ الشفافية السّامة. لقد تحوّل الطموح التاريخي من الرغبة في الفهم إلى هوس الرصد، مما خلق واقعاً بلا أسرار، وبلا دهشة، والأخطر من ذلك واقعاً بلا إرادة حُرة. إننا اليوم بحاجة، كفعل لمقاومة وجودية، إلى استعادة «نعمة الجهل»، ليس كنقيض للعلم، بل كدروع سيادية تحمي هويتنا البيولوجية من الذوبان في السيليكون. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن الآلة ستسيطر علينا، بل في أنها ستمحو المجهول، الذي هو المحرك الوحيد للتطور البشري.
فالإنسان، عبر التاريخ، لم يُبدع لأنه يعرف، بل لأنه يجهل ويبحث. الجهل كان دائماً هو المختبر السري الذي وُلدت فيه الأساطير، والفلسفة، وحتى النظريات الفيزيائية الكبرى. ولكن عندما يُقدّم لنا الذكاء الاصطناعي الإجابة قبل أن نختبر مشقّة السؤال، فإنه يغتال العملية الذهنية التي تجعلنا بشراً.
التقنيات التكنولوجية المعاصرة والقادمة تحتاج إلى تطور منهجي فكري غير مسبوق وابتكار عقيدة تفكير خلّاقة تنقل المعرفة الجاهزة من معلّبات فكرية تقتل عضلة الخيال إلى مزيج يترك للإنسان مساحة مقدسة للجهل. فهناك حقول ومصافٍ وبحيرات وأنهار رقمية تمثّل البنية التحتية الحقيقية وليس الانعكاس لها، وهناك مواد خام وصناعة أساسية تقوم عليها صناعة المستقبل، وقد تكون بمثابة فخ عصر «الدكتاتورية التنبؤية».
إنّ الخوارزميات اليوم لا تكتفي بتحليل ماضينا، بل تختطف مستقبلنا عبر التنبؤ بسلوكياتنا قبل أن نشعر بها. هنا تبرز قيمة الجهل المختارة، أي في الحق في ألا تُعرف بياناتك، والحق في أن تبقى ثقباً أسود في سجلات الألياف الضوئية، وهو في الحقيقة الحق في أن تكون حُراً بعيداً عن عبودية الشبكات والنُّظم في معضلة الرق الناعم، حيث تكون القيود غير مرئية، والسيد هو الخادم عبر شبكات داخلية أو الإنترنت. اليوم لم يَعُد هناك سرّ للشعوب واختراق أي شعب، بل تدمير الدول مجرد مسألة ضغطة زرّ. علاوة على ذلك، أدى الفيض المعلوماتي إلى نوع من التبلُّد الوجداني. والمعرفة بكل مآسي الكوكب في لحظة حدوثها لم تجعلنا أكثر رحمة، بل جعلت أعصابنا تحترق من فرط الحمل المعرفي.
إن الجهل الواعي بما لا نملك تغييره ليس هروباً، بل هو إدارة للجهد النفسي. نحن بحاجة إلى زُهْد رقميٍّ يعيد تقييم وتقدير المسافات. فالحكمة ليست في مراكمة وحدات قياس البيانات الرقمية في الحواسيب، بل في القدرة على التمييز بين المعرفة التي تفتح الآفاق، وبين المعلومات التي تملأ الرأس ضجيجاً وتمنعنا من سماع صوت حدسنا الخاص. إن التقدم التقني قد يجعل البعض يعاني من وَهْمَ «الألوهية المعرفية»، بينما الحقيقة هي أن سعادتنا تكمن في تلك المساحات التي نتركها للصدفة والغيب. تخيل حباً بين شخصين يعرف فيه الطرفان كل فكرة تجول في خاطر الآخر عبر تقنيات قراءة الدماغ، ستتحوّل العلاقة إلى معادلة رياضية باردة.
وقد نحتاج إلى أن ندع الغموض المُلِحَّ الذي يحفظ الحياة من التعفن، والجهل هو المساحة التي ينمو فيها الأمل. لا نريد أن نتخلّف عن ركب الحضارة التكنولوجية، ولكن يجب أن نبني حصون الفكر الفلسفي الكوني في مواجهة آخر حضارة سيعرفها الإنسان في اعتقادي، بعد الانتقال من العولمة التقليدية إلى العولمة الرقمية، بعد أن مررنا دون أن نشعر في عملية تغيير العولمة لجلدها فقط. بينما نحن في صراع وجودي بين الإنسان الاحتمالي الذي ينمو بالدهشة والحيرة، وبين الإنسان الرقمي الذي يختزل في مخرجات حسابية محددة سلفاً.
فمَنْ يملك اليقين التقني المطلق ونحن نسير بثبات نحو تلك الهاوية، سيُحرم من نعمة الجهل، لأن الجهل هو رهان على مجهول، وهو ما يجعل الإنسان يملك الفضول والشّغف لكي يعرف. فهل سنبني كبشر جسراً بين التقدم التقني والتقدم في فكر الإنسان ومعطياته الحقيقية قبل أن يندمج مع الآلة، وهو أمر حتمي ومسألة وقت ليس إلا؟ التطور القادم يجب ألا يكون في دمج رقائق المعالجة في أجسادنا لزيادة سرعة الحساب، بل في استعادة قدرتنا على الدهشة البسيطة.
والقوة في القرن الحادي والعشرين ستكون لمَن يملك الشجاعة ليقول: «أنا لا أعرف»، ولمَنْ يملك السيادة ليفصل نفسه عن شلال البيانات المتدفق، وألا يكون ضحية للهيمنة الرقمية. الذكاء الاصطناعي قد يحلّ لنا كل المعادلات، لكنّه لن يفك أبداً لغز «الروح»، لأن الروح تقتات على الغموض. فدعونا نحتفي بـ«جهلنا» قليلاً، فهو ما يضمن بقاءنا بشراً في عالم لا يكُفُّ عن محاولة تحويلنا إلى مجرد أرقام في خوارزمية كونية كبرى لا نملك مفاتيحها.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


