جريدة الإتحاد - 2/18/2026 12:29:29 AM - GMT (+4 )
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى أقرب إلى الجدل النظري، لكنه في عمقه يمسّ جوهر اللحظة الأفريقية الراهنة. فالقارة التي تتنازعها الانقلابات، وتثقلها النزاعات الأهلية، وتستنزفها الجماعات المسلحة، لا تحتاج فقط إلى خطط أمنية أو تسويات سياسية عابرة، بل إلى مرجعية فكرية وأخلاقية تعيد ترتيب المعاني قبل ترتيب الوقائع. وهنا يبرز دور معالي العلامة عبدالله بن بيه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي رئيس «منتدى أبوظبي للسلم»، بوصفه أحد أبرز من اشتغلوا على ردّ الاعتبار للسِّلم باعتباره أصلاً في الشريعة، لا استثناءً فيها.
ليست مساهمته في حدود خطابٍ عاطفي يدعو إلى التهدئة، بل هي تأسيسٌ فقهيٌّ يعيد تعريف العلاقة بين الدين والدولة، وبين النص والواقع، على قاعدةٍ واضحة: حفظ الأوطان مقدّم على صراع التأويلات، وصيانة الاستقرار شرطٌ لكل إصلاح. لقد نقل السِّلم من دائرة التوصية الأخلاقية إلى مرتبة المبدأ المؤسِّس، وجعل من العدل محوراً جامعاً يلتقي عنده الأمن الروحي بالأمن السياسي.
أفريقيا اليوم تعاني في بعض أقطارها من هشاشة الدولة الوطنية، ومن تنازع الشرعيات بين مؤسسات قائمة وتنظيمات تدّعي تمثيل الدين أو الثورة أو الهوية. في مثل هذا المناخ، تصبح الحاجة ملحّة إلى صوتٍ يُذكّر بأن الدولة ليست غنيمة، بل عقداً، وأن السلطة ليست ميداناً لتصفية الحسابات، بل أمانة تحفظ الجماعة من الانقسام. هذه الرؤية لم تأتِ من فراغ، بل من قراءةٍ عميقة لتجارب التاريخ الإسلامي، حيث كان الاضطراب السياسي مدخلاً لاضطراب الدين نفسه.
في مقاربته، لا يُختزل السِّلم في منع الاقتتال، بل يُفهم بوصفه حضوراً للعدل، وترسيخاً للثقة بين الحاكم والمحكوم، وضماناً لحقوق الأقليات، وصيانةً للمجال العام من خطابات التحريض. لذلك لم يكن استحضاره لوثيقة المدينة أو لإعلان مراكش مجرد إحالةٍ تراثية، بل تأكيداً على أن التعايش ليس تنازلاً عن الهوية، بل تجسيداً لها في أفقٍ جامع.
وتتأكد أهمية هذه المرجعية حين نرى كيف تتكاثر الخطابات التي تُضفي على العنف مسحةً دينية، أو تُسوّغ تقويض الدولة باسم الإصلاح. إن الردّ على هذه السرديات لا يكون بالمواجهة الأمنية وحدها، بل بإعادة بناء الفهم الديني على أساس المقاصد الكبرى: حفظ النفس، وصيانة المجتمع، ومنع الفتنة. وهنا تتجلى قيمة العمل الذي يقوده الشيخ، حيث يجتمع العلماء والقادة وصنّاع القرار في فضاءٍ مشترك، يُبحث فيه عن سُبل تحويل القيم إلى سياسات.
ولعلّ ما يلفت في هذه التجربة أنها لا تنطلق من وصاية خارجية، بل من داخل القارة نفسها. فمؤتمر تعزيز السِّلم في نواكشوط لم يكن مجرد مناسبة سنوية، بل أصبح منصةً لإنتاج خطابٍ أفريقيٍّ حول الاستقرار، يستند إلى تراثٍ إسلاميٍّ راسخ، ويتفاعل مع تحديات العصر دون انغلاق أو تبعية. هذا التحول يمنح أفريقيا قدرةً على صياغة رؤيتها الخاصة، بدل أن تبقى ساحةً لتجارب الآخرين.
إن الحاجة إلى مرجعيةٍ للسِّلم في أفريقيا ليست اعترافاً بضعف القارة، بل إدراكٌ لحجم التحدي الذي تواجهه. فحيث يتقدّم منطق السلاح، ينبغي أن يتقدّم منطق الفقه، وحيث تتصاعد الانفعالات، لا بدّ من عقلٍ يُعيد الأمور إلى أصولها. بهذا المعنى، لا يقتصر دور العلامة بن بيّه على كونه عالماً يُفتي، بل يتعداه إلى كونه شاهداً على زمنٍ يحتاج إلى إعادة تأسيس المعاني الكبرى: معنى الدولة، معنى العدل، معنى التعايش.
إن أفريقيا، وهي تخوض معركة تثبيت الاستقرار، تحتاج إلى هذا النوع من المرجعيات التي تجمع بين الرسوخ العلمي والبصيرة السياسية. فالسِّلم ليس مرحلةً انتقالية، بل شرط بقاء. وإذا كان لكل نهضةٍ عقلٌ يؤطرها، فإن القارة اليوم أحوج ما تكون إلى عقلٍ يجعل من السِّلم أصلاً يُبنى عليه، لا نتيجةً يُنتظر تحققها.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.
إقرأ المزيد


