جريدة الإتحاد - 2/18/2026 12:37:52 AM - GMT (+4 )
تعدّدت الولايات: الولايَّة التَّكوينيَّة، والولاية العامّة، وتخصُّ إدارة الدولة (ولاية الفقيه)، والولاية التشريعيَّة وتسمى الصُّغرى، وهناك مَنْ أضاف الولاية الوسطى، التي تتدخل في السِّياسة بشكل جزئي كإشراف ونُصح (الصَّغير، أساطين المرجعية)، مثل ما تقوم به المرجعيَّة الشِّيعيَّة اليوم بالعراق.
ما يهمّنا هنا الولاية التَّكوينيَّة الخالصة، اشتُهر بها أئمة وصالحون يتدخلون في ظواهر الكون، بتفويض إلهيٍّ، كتأخير غروب الشَّمس مثلاً، ومِن هنا جاءت التّسمية «تكوينيَّة»، اشتُقّ الاسم مِن «مادة الكون، ومعنى الكون لغةً هو الحدث (الخلق)» (الحيدريّ، الولاية التَّكوينيَّة)، وقلّما يخلو مذهب بما يدل على معناها، لكنّها تظهر واضحة في التَّشيع والتَّصوف، فعند الأول الأئمة ومَنْ ينوب عنهم، وعند الثاني المشايخ أو الأقطاب، ومن الأوّل تظهر الإمامة، وعند الثاني الكرامات والخوارق، يؤثّرون في النّاس بما يؤثّر فيهم الله، مِن صحة وسُقم ورزق، ومِن غير التأثير في النّاس تخضع لهم الطّبيعة، كادعاء المشي على الماء (العطار، منطق الطَّير).
أما الأئمة فتأتي ولايتهم على الكون، والتَّصرف في المخلوقات، وما عُبّر عنه بـ«التَّصرف التَّكوينيّ بالمخلوقات إنساناً كان أو غيره، ويدلّ عليها آيات... اقتضت أنْ تكون الولاية التَّكوينية بأيديهم، حتَّى يتمكّنوا من إبطال مَنْ يدعي النُّبوة بعد النَّبيّ...» (الخوئيّ، صراط النَّجاة أجوبة الاستفتاءات).
وفي هذا المعنى لا فرق بين التَّكوينيّة والتَّفويض، أي أنَّ الله فوّض الأئمة بما لا يستطيع البشر فعله لكراماتهم، بما عُرف بـ «التفويض بإذن الله» (الحيدريّ، الولاية التَّكوينيَّة)، وبهذا تكون المعجزات وكرامات الأئمة، والصَّالحون، كأقطاب الصّوفيَّة، كلُّها تدخل في الولاية التّكوينيَّة، وهو مصطلح جديد، لم يُذكر في المصادر القديمة، إنما ذُكر «التَّفويض»، وهو ما ينوب عنه في المعنى.
بهذا تكون الأديان وجُلُّ الفرق الإسلاميَّة تعتقد بهذه الولاية (التَّكوينيَّة)، وهو وجود بشر يفعلون الخوارق بتمكين وتفويض مِن الله، وبالسيَّطرة على ظواهر الكون، لكنّ بقدرة مكتسبة مِن الله، ولم يفوّض لبشر قدرته في خلق الأكوان، وبهذا المعنى عدَّ علماء الشِّيعة القائلين بالقدرة الإلهية للأئمة مِن الغلاة الكفرة (المفيد، تصحيح الاعتقاد).
مع أنَّ «لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين أمرين» (الصَّدوق، عيون أخبار الرّضا) مقالة شيعية مشهورة، وتعدّى حدودها «المُفوِّضة (وهم) صنف مِن الغلاة، وقولهم الذي فارقوا به سواهم مِن الغُلاة اعترافهم بحدوث الأئمة، وخلقهم، ونفي القِدم عنهم، وإضافة الخلق والرِّزق مع ذلك إليهم، ودعواهم أنَّ الله سبحانه وتعالى فوّض إليهم خلق العالم» (الشّيخ المفيد، نفسه)، هنا يأتي الاختلاف بين التفويض المكتسب والتَّفويض بالقدرة على الخلق والرِّزق. لقد تصاعد هذا القول قديماً، واتّسع مؤخراً بين العوام بتوجيه رجال دِين، وحسب المفيد (413هج)، الذَّاهبين إلى القول بالخوارق هم الغلاة.
ما يهمّنا هنا هي الولاية السّياسيَّة، فالكون أو«العالم» يتضمن السّياسة، والإنسان الخارق المكتسب للولاية يكون صاحب السُّلطة، ومِنها تظهر«ولاية الفقيه»، كونه نائب المهدي المنتظر، والأخير صاحب ولاية تكوينيَّة، صحيح هناك شروط في هذا الفقيه، لكنه يبقى نائباً لصاحب الولاية التكوينيّة، المفوَّض مِن الله بالحُكم.
خلاف ما تقدّم يبدو أن جماعة «إخوان الصَّفا» (نخبة فكرية ظهرت بالعراق/ القرن الرابع الهجري)، والفلاسفة، لا يقرّون بالولاية التّكوينية للبشر، بل الولاية للطبيعة بما جبلها الله، فقالوا: «نسبت الفلاسفة والحكماء هذه المصنوعات إلى القوى الطّبيعية» (الرسالة السَّابعة من الجسمانيات الطّبيعيات)، وهذا عين ما ذهب إليه المعتزلة، مثل أبي القاسم البلخيّ (319هج): «إنّ في الحنطة خاصية، وإنه لا يجوز أنَّ ينبت عنها الشَّعير، ما دامت الطَّبيعة والخاصية فيها...»(النِّيسابوري، المسائل في الخلاف)، ومَنْ قال بالولاية السياسية للأُمة، وهذا يقع عندهم على السياسة أيضاً، لم يولِ الله أحداً بإدارتها، ولا يهب الخوارق بتفويض، وهؤلاء يتحدثون بالعقل، وبينهم فقهاء شّيعة، مثل آية الله فضل الله وغيره، ينفون الولاية التّكوينية بهذا المعنى، بينما الآخرون يتحدثون بالرِّوايات والأخبار، وتجد البونَ شاسعاً، في هذه القضية، بين العقل والقول.
*كاتب عراقي
إقرأ المزيد


