الاستثمار في الطمأنينة.. قراءة مختلفة لاقتصاد الأسرة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في الزخم الذي أحدثه إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بأن يكون عام 2026 هو عام الأسرة، نجد أنفسنا أمام فرصة تاريخية لمراجعة فلسفة العيش داخل البيت الإماراتي. لقد اعتدنا أن نقرأ الواقع الاقتصادي بلغة الأرقام الصماء من خلال نسب التضخم، فوائد القروض، وأسعار العقار وغيرها من تلك الأرقام الكاشفة. ولكن هل يمكننا لمرة واحدة أن نقرأ الاقتصاد بلغة الروح قبل لغة الأرقام؟
الحقيقة التي لا تقولها التقارير الرسمية هي أن الضغط الذي تعيشه الأسرة اليوم ليس مجرد عجز في القدرة المالية بقدر ما هو تضخم في التوقعات. نحن نعيش في زمن تحولت فيه الوسائل مثل المسكن، السيارة، حفلات المناسبات إلى غايات بحد ذاتها، وأصبح الإنفاق هو اللغة الوحيدة لإثبات المكانة. إن التحدي الاقتصادي العميق للأسرة الإماراتية لا يكمن فقط في غلاء المعيشة العالمي، بل في التضخم الشعوري المحلي، لقد وقعنا فريسة لثقافة استهلاكية تهمس في آذاننا دائماً: «أنت تساوي ما تملكه».
هذا النمط خلق حالة من الاغتراب المالي، فالشاب يقترض ما يفوق طاقته ليس لأنه يحتاج إلى منزل أكبر للسكن، بل لأنه يحتاج إلى منزل أكبر للعرض. وحفلات الزفاف تحولت من إشهار للفرح إلى مهرجان للمنافسة. هنا يتحوّل المال من خادم لسعادة الأسرة إلى سيد مستبد يسرق سكينتها. يصبح حينها القرض البنكي رهناً لراحة البال وسرقة مسبقة من مستقبل الأسرة وأمانها النفسي.
فلسفياً، الأسرة هي الملاذ للإنسان من قسوة الحياة وضغط الواقع. لكن عندما تتسلّل سلطة الفاتورة إلى مائدة الطعام، يتحول الملاذ إلى ساحة قلق. الخطر الحقيقي ليس في أننا نملك مالاً أقل، بل في أننا نملك وقتاً أقل للمحبة والحوار والتواصل والانغماس الشعوري في علاقات إنسانية فاعلة ودافئة، لأننا مشغولون بالركض لتسديد تكاليف حياة اخترناها لإبهار الآخرين.
في ظل هذا الركض، يتآكل ميثاق المحبة والرحمة بين الزوجين. الزوج يشعر بأنه تحوّل إلى ماكينة صرافة تُقدَّر قيمته بقدرته على السداد، والزوجة تشعر بأن الأمان مهدّد. هذا التصدع الصامت هو التكلفة الباهظة، التي لا يرصدها المصرف المركزي، لكنها تظهر بوضوح في أروقة المحاكم الأسرية.
بما أننا نستشرف عام الأسرة، فإن الحل لا يكمن في حلول محاسبية تقليدية مثل: قلّل قهوتك، أو خفّض طلبات الطعام من التطبيقات، بل نحتاج إلى ثورة مفاهيمية، أو ما يمكن تسميته بالابتكار الاجتماعي. كيف يمكننا أن نكون مبتكرين في نمط حياتنا؟الحل المبتكر يبدأ بإعادة تعريف الرقي. الرقي الحقيقي في عام 2026 يجب أن يكون في خفة الأحمال والالتزامات، أن تكون الأسرة الراقية هي تلك التي تملك استقلالها المالي، لا تلك التي تملك أكبر فيلا مرهونة للبنك. نحتاج إلى خلق تيار اجتماعي جديد يحتفي بالبساطة الذكية، حيث تُقاس جودة الحياة بحجم الذكريات التي نصنعها مع أبنائنا، لا بحجم المقتنيات التي نكدسها حولهم.
الابتكار في العلاقات الزوجية يعني كسر التابوه القديم حول المال. الشراكة الحقيقية تعني أن يجلس الزوجان قبل البناء وقبل الشراء ليرسما خريطة طريق للحياة. الابتكار هنا هو أن نعتبر الوعي المالي جزءاً من الرومانسية الواقعية. لابد أن نعي أننا حين نقول لا لمتطلبات اجتماعية باهظة، فإن الزوج والزوجة يعززان المحبة بينهما، لأن هذا الرفض يحمي مستقبل الأسرة.
لعل عام الأسرة هو الفرصة الذهبية لإعلان ميثاق شرف اجتماعي غير مكتوب يتوافق فيه المجتمع، بدعم من المؤثرين وقادة الرأي، على تخفيف حدة مظاهر البذخ في المناسبات. إنها دعوة للتسامح مع فكرة أن الأقل هو الأكثر، وأن قيمة الإنسان الإماراتي تنبع من معدنه وأخلاقه، لا من رقم لوحة سيارته أو فخامة قاعة زفافه.
في النهاية، الاقتصاد ليس علماً للأرقام، بل هو علم تدبير الحياة لتحقيق السعادة. التحدي أمام الأسرة الإماراتية اليوم هو تحدي الشجاعة في رسم مسار خاص لا يمليه الترند ولا تفرضه نظرات المجتمع.
لنجعل من عام الأسرة بداية لعهد جديد ننتقل فيه من ثقافة الاستهلاك التي تستنزف أرواحنا، إلى ثقافة الاكتفاء حيث نكتفي ببعضنا، ونورث أبناءنا بيوتاً عامرة بالسكينة، لا مجرد جدران فارهة مثقلة بالديون. إن أعظم استثمار نضعه في حساب الأسرة هو طمأنينة البال، وهي عملة لا يمكن لأي بنك في العالم أن يقرضك إياها، بل أنت من يصنعها.
* باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.



إقرأ المزيد