جريدة الإتحاد - 2/20/2026 11:26:48 PM - GMT (+4 )
المشهد اليوم ليس تصعيداً عابراً، ولا مناورة إعلامية مؤقتة، بل لحظة مفصلية تختبر توازن الردع في المنطقة بأكملها. الولايات المتحدة الأميركية تدفع بمسار تفاوضي حول البرنامج النووي الإيراني، وفي الوقت ذاته تحشد حاملات طائرات، وقوات جوية، وطائرات تزويد بالوقود، وترفع الجاهزية إلى أقصى درجاتها. وهذا ليس تناقضاً في السياسة، بل هو أسلوب تفاوض بالقوة، مفاوضات تُدار تحت سقف الضغط العسكري وليس بمعزل عنه.
إيران من جهتها لا تفاوض من موقع الضعف. فهي تُجري تجارب صاروخية، وتُظهر قدراتها الردعية، وتبعث برسائل واضحة بأنها ليست تحت الإكراه. طهران تدرك أن أي تراجع مجاني سيُقرأ داخلياً وخارجياً كتنازل استراتيجي، لذلك تحاول أن توازن بين الانفتاح الدبلوماسي واستعراض القوة العسكرية. إنها معادلة دقيقة: لا تريد حرباً شاملة، لكنها لا تريد اتفاقاً يُقيّدها بالكامل.
أما إسرائيل، فتتعامل مع المرحلة باعتبارها لحظة تهديد وجودي محتمل. التحصين الداخلي، رفع مستوى الجاهزية، والاستعداد لكل السيناريوهات، كلها مؤشرات على أن تل أبيب لا تثق بالحلول المرحلية، وترى أن جوهر المشكلة يتجاوز تخصيب اليورانيوم إلى منظومة القوة الإيرانية بأكملها، من الصواريخ إلى شبكات النفوذ الإقليمي.
في تقديري، نحن أمام أربعة سيناريوهات محتملة خلال الفترة القادمة.
السيناريو الأول: اتفاق مرحلي محدود. يتم تجميد بعض جوانب البرنامج النووي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات. هذا الخيار يمنح الجميع متنفساً مؤقتاً، لكنه لا يحل جذور الأزمة. سيكون اتفاقاً هشاً، قابلاً للانهيار مع أول تغير سياسي داخلي في واشنطن أو طهران.
السيناريو الثاني: استمرار التوتر دون انفجار. مفاوضات بطيئة، حشد عسكري مستمر، رسائل ردع متبادلة، وعمليات غير مباشرة عبر ساحات إقليمية. هذا السيناريو هو الأكثر واقعية في المدى القصير، لأنه يسمح لكل طرف بالحفاظ على صورته دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
السيناريو الثالث: ضربة محدودة ومدروسة. قد تستهدف منشآت محددة أو قدرات صاروخية بهدف إعادة ضبط قواعد الاشتباك وفرض معادلة ردع جديدة. هذا الخيار يحمل مخاطر عالية، لأن أي خطأ في التقدير قد يحوّل الضربة المحدودة إلى سلسلة ردود متصاعدة.
أما السيناريو الرابع، وهو الأخطر، فيتمثل في حرب إقليمية متدرّجة تبدأ بحادث أو خطأ حسابي، ثم تتوسع بفعل منطق الرد والرد المضاد. التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى كثيراً ما تبدأ من لحظة سوء تقدير، لا من قرار استراتيجي معلن.
المعادلة اليوم تقوم على عنصرين: الإرادة السياسية، ودقة الحسابات. الولايات المتحدة تريد اتفاقاً بشروط قوية دون خوض حرب مكلفة. إيران تريد اعترافاً بدورها الإقليمي ورفعًا للعقوبات دون التخلي عن أوراق قوتها. إسرائيل تريد ضمانات أمنية صلبة لا تحتمل الغموض. وبين هذه الإرادات الثلاث، تقف المنطقة على حافة توازن حساس.
أعتقد أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة «ضغط أقصى محسوب». لن نرى اندفاعاً سريعاً نحو حرب شاملة، لكننا سنرى تصعيداً مدروساً يهدف إلى تحسين شروط التفاوض. ومع ذلك، يبقى الخطر قائماً إذا تداخلت الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية الداخلية لدى أي طرف.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة. فإذا تقدمت المفاوضات إلى نصوص واضحة قابلة للتنفيذ، سيتراجع منسوب التوتر تدريجياً. أما إذا تعثرت، فإن الحشود العسكرية ستتحول من أوراق ضغط إلى أدوات فعل.
المنطقة اليوم لا تحتاج إلى استعراض قوة بقدر ما تحتاج إلى إدارة حكيمة للقوة. لأن أي خطأ في هذا التوقيت لن تكون كلفته على طرف واحد، بل على الإقليم بأكمله.
*لواء ركن طيار متقاعد
إقرأ المزيد


