نتنياهو.. ومسارات الانتخابات المقبلة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ما زال ملف العفو عن نتنياهو قائماً ومتداولاً في الداخل الإسرائيلي ما بين وزارة العدل وجهات التحقيق ومستشاري الرئيس الإسرائيلي اسحق هر تسوج بل وعدد من كبار المستشارين القانونين الذين ما زالوا يتداولون العديد من الرؤى والمقاربات للنظر في ملف العفو أياً كان شكله أو إطاره المقترح أميركياً بناء على ما طرحه ترامب. 
الرئيس الأميركي ضغط في اتجاه إصدار قرار العفو وعادة ليكرره مؤخراً موجهاً رسالته إلى الرئيس الإسرائيلي، الذي رد بأن الأمر ما زال قيد التعامل، وأن طلب نتنياهو يتم دراسته في التهم الموجهة إليه وفق مضمون محدد..
 ما بين الموقف الأميركي والتعامل الإسرائيلي الرسمي تكمن عدة حقائق على الأرض أهمها أن الاتجاه العام في إسرائيل ووفق استطلاعات الرأي تميل إلى أن القرار يجب أن يكون إسرائيلياً برغم الضغط الأميركي، وأن إسرائيل الدولة قد تنظر إلى هذا التوجه بأنه تدخل مباشر في أمورها الداخلية حتى ولو طرح من الرئيس الأميركي نفسه، في إشارة إلى خصوصية القرار الإسرائيلي الذي يجب أن تحترم على اعتبار أن التعامل لا يمكن تمريره انطلاقاً من حسابات وعلاقات ثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل برغم مساحة التعاون والعلاقات المفصلية والهيكلية. 
وفي المقابل هناك من يرى أن الموقف مما يجري أصبح سياسياً وليس قانونياً، وأن في خلفية العفو المقترح إشكاليات عدة متعلقة برد فعل القضاء الذي تدخل نتنياهو شخصياً في قراراته، وأراد أن يسيسه من خلال إصدار سلسة من التشريعات واللوائح للحد من نفوذه، وفي إطار فصل السلطات في إسرائيل وفق القانون الأساسي الحاكم..  ومن ثم فإن إشكالية العفو مرتبطة بتجاذبات كبيرة، وتباين في المواقف والاتجاهات والحرص على مبادلة منطق الحق في العفو إلى الحق في التدخل في القرار الإسرائيلي، ولشخص يحاكم وهو في السلطة، وعلى رأس الحكومة على عكس ما يطرح من مبادلات تتعلق بالبعدين القانوني والسياسي خاصة أن نتنياهو أقدم على خطوة طلب العفو بعد تدخل الرئيس ترامب شخصياً..
 إن إشكالية العفو قد ترتبط لاحقاً بالانتخابات الإسرائيلية التي ستجري نهاية العام واحتمالات أن يؤثر هذا العفو على موازين القوى السياسية والحزبية الحالية، وقد تغير من قواعد اللعبة، فإيجابياً قد يؤدي القرار المطروح بالعفو إلى اشكالية حقيقية لسائر المتصارعين في المشهد الحزبي، وخاصة المعارضة التي يمثلها يائير لابيد، ويدخل في إطارها كل من نفتالي بينت رئيس الوزراء الأسبق وبيني جانتس وآخرون. ومن ثم قد يعاد تعويم دور رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو انطلاقاً من هذا العفو ما يهدد بحالة من عدم الاستقرار، بل والدخول في مواجهات حزبية وحالة من الانقسام في الداخل الإسرائيلي حتى قبل إجراء الانتخابات أي في الأشهر القليلة المقبلة، وسلبياً قد يؤدي إلى استمرار المشهد الراهن واستمرار نتنياهو، والذي سيظل يمسك بقواعد اللعبة رافضاً ما يجري – حال تيقنه – من عدم العفو عنه إلى ممارسة أكبر من الضغوطات على قادة مكونات الائتلاف الراهن، بل واحتمالات تدخله في تصويب مسار قياداتها بهدف الانخراط في إدارة المشهد إلى حين إجراء الانتخابات، وفي حال عدم التوصل إلى قرار نهائي، فإن البديل إعادة ترتيب الأوضاع الحزبية، وتحقيق الهدف عبر استراتيجية محكمة اختبرها نتنياهو انطلاقاً من حزب «ليكود»، والعمل على إنجازها تجاه الأحزاب مع عدم غلق الباب أمام أي فرصة في التعامل.
فالإدارة الأميركية ربما سيكون لها حساباتها الكبرى في التعامل مع شخص نتنياهو، والإبقاء عليه كشريك موثوق فيه ووضعه تحت العباءة الأميركية لعدم إقدامه على تغيير مسار ما يجري تجاه إيران وغزة ودول الجوار إذ أن نتنياهو- وفي مرحلة محددة قد يخلق الذرائع ويخرج عن الإطار الراهن ليس تجاه إيران بل تجاه غزة أو في لبنان، في إشارة إلى احتمالات إقدامه على خلط الأوراق والخروج من النطاق الراهن للعودة لتفزيع المجتمع الإسرائيلي مرة أخرى، متسلحاً بمبدأ الحفاظ على أمن إسرائيل أولاً وأخيراً، وأن إسرائيل من تقرر أمنها، وليس أي طرف آخر حتى ولو الولايات المتحدة التي يجب – وفقاً لرؤيته- أن تتفهم متطلبات الأمن القومي الأميركي، وتعمل على التجاوب معها...
هنا قد لا يكون أمام الإدارة الأميركية في حال أي تغير في اتجاه مختلف إلى أن تقوم الإدارة الأميركية بتغيير قواعد التعامل، وقد تذهب إلى دعم المعارضة مثلما فعل الرئيس الأميركي ترامب واستقبل يائير لابيد في البيت الأبيض.
 الإدارة الأميركية، وفي توقيت محدد يمكن أن تقوم بالانقلاب على نتنياهو في حال وقوفه أمام أهدافها الرئيسية أو محاولته تعويق مسار ما يجري من ترتيبات لا تتوقف عند غزة بل تمتد إلى الإقليم بأكمله، وهو ما يمكن وضعه في الاعتبار من أولويات قد يعمل عليها ترامب وفريق مستشاريه الذين ما زالوا يفتحون باباً رئيسياً في التعامل مع نتنياهو، من خلال خبرات عميقة سواء في هندسة المشهد الحالي أو بناء مقاربة أميركية قابلة للتنفيذ في ظل ما يجري، وفي المقابل إسرائيلياً من مخططات قد لا تنظر إلى البيئة الإقليمية والعربية إلا من منظور محدد يختلف في سياقاته عن ما تتبناه الإدارة الأميركية بل وشخص الرئيس ترامب.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية. 



إقرأ المزيد