لجنة الهوية الوطنية.. ترسيخٌ مؤسسي لقيم الانتماء
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 تُعدّ الهوية الوطنية عنصراً أساسياً في بناء المجتمعات القوية والمتماسكة، إذ تمثل الإطار الجامع للقيم والثوابت والذاكرة المشتركة التي تصوغ شخصية الوطن وأبنائه. وتُعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة، بفضل القيادة الرشيدة، ممثلة في صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، من الدول الرائدة في مجالات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويكمن جزء كبير من رسوخ نموذجها التنموي في تمسّكها بهويتها الوطنية التي تحتل مكانة محورية وتشكل ركناً أساسياً في وحدة المجتمع وتلاحمه.

فالرؤية الوطنية تنطلق من قناعة راسخة بأن التنمية المستدامة لا تقوم على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل على إنسان معتزّ بهويته، واعٍ بتاريخه، ومؤمن بقيمه.وفي ظل حرص دولة الإمارات على ترسيخ قيم الانتماء الوطني لدى الأجيال الجديدة، تتضافر الجهود الحكومية والمجتمعية لتحقيق هذا الهدف، عبر سياسات واستراتيجيات واضحة وضعت الهوية في قلب المشروع الوطني. وفي هذا السياق، يأتي قرار سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، رئيس مجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع، بتشكيل «لجنة الهوية الوطنية» برئاسة سمو الشيخة مريم بنت محمد بن زايد آل نهيان، في خطوة تتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للهوية وتعكس الانتقال من مرحلة المبادرات المتفرقة إلى مرحلة العمل المؤسسي المنظم. وتضطلع اللجنة بدور محوري في الإشراف على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للهوية، بما يضمن توحيد الرؤى وتكامل الجهود بين الجهات المعنية. كما تعمل على وضع أطر مرجعية واضحة لترسيخ القيم والمرتكزات الوطنية، وتطوير مؤشرات لقياس مستوى تبنّي المجتمع لهذه القيم، بما يتيح تقييم أثر المبادرات والمشروعات المرتبطة بالهوية الوطنية بصورة دقيقة ومنهجية. وتعود أهمية هذا الدور إلى كونه يوفّر آلية متابعة مستدامة، تضمن أن تبقى الهوية الوطنية حاضرة في السياسات التعليمية والثقافية والإعلامية، لا كمفهوم نظري، بل كمنظومة عملية قابلة للتطوير والتحديث. كما تمثل اللجنة منصة لتنسيق الجهود بين مختلف القطاعات، بما يعزز صياغة سردية وطنية متماسكة تعكس خصوصية التجربة الإماراتية وتبرز القيم التي قامت عليها الدولة، مثل التسامح، والاعتدال، والانتماء، والمسؤولية المجتمعية.

فوجود جهة متخصصة تُعنى بهذا الملف يعكس إدراكاً استراتيجياً بأن الهوية الوطنية عنصر استقرار وقوة ناعمة، وأن إدارتها تتطلب رؤية شاملة تجمع بين الأصالة والانفتاح، وتحافظ على الثوابت في ظل المتغيرات. وتتعاظم أهمية هذه الجهود في ظل التحولات العالمية المتسارعة، وفي مقدمتها العولمة والثورة العلمية والتكنولوجية التي تجاوزت الحواجز الجغرافية وأعادت صياغة أنماط التفكير والسلوك عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام العابرة للحدود. فالتأثير الثقافي لم يعد آنياً أو سطحياً، بل بات عميقاً وتراكمياً يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، ما يفرض تبنّي مقاربة واعية لترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز حضورها في مختلف المجالات.

وفي هذا السياق، تمثل الهوية الوطنية خط دفاع ثقافياً يصون المجتمع من الذوبان في التيارات العابرة، ويمنحه حصانة فكرية في مواجهة محاولات طمس الخصوصية أو إعادة صياغة القيم خارج سياقها الوطني. فالمجتمعات التي تستند إلى هوية راسخة تكون أقدر على استيعاب التحولات العالمية والتفاعل معها بثقة، من دون أن تفقد توازنها أو تُفرّط بثوابتها. وقد لخّص المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، رؤيته في بناء الدولة وترسيخ الهوية الوطنية بقوله: «من لا ماضي له، لا حاضر له ولا مستقبل»، وهي عبارة تختصر جوهر المشروع الإماراتي القائم على الربط المتوازن بين الجذور والنهضة، حيث لا يُنظر إلى الهوية باعتبارها استحضاراً للماضي فحسب، بل كأساس متينٍ لبناء الحاضر واستشراف المستقبل بثقة وثبات.

إن تشكيل «لجنة الهوية الوطنية» يجسد التزاماً وطنياً مستداماً بحماية ركائز المجتمع وتعزيز تماسكه، ويؤكد أن الهوية الوطنية ليست مسألة ثقافية هامشية، بل أولوية استراتيجية ترتبط بمستقبل الدولة واستقرارها. ومن خلال هذا النهج المؤسسي المتكامل، تواصل الإمارات ترسيخ نموذج تنموي فريد يجمع بين الحداثة والأصالة، ويؤكد أن قوة الأمم تبدأ من قوة هويتها.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 



إقرأ المزيد