جريدة الإتحاد - 2/21/2026 12:21:43 AM - GMT (+4 )
في ساعة قبل أذان المغرب، تبدو القرية طبقاً عملاقاً من ذهب، تبدو في عينيّ عاشق الأزقة ذات رائحة الدخان المتصاعد كأنه الأهداب، يمضي في الخواء الفضائي مكتسحاً مشاعر، معبّراً عن مخابر. هنا، وهناك مقلمات الأظافر، يخطفن ود القلوب الشغوفة بلحظات يبدو فيها المساء الرمضاني، كأنه الأحلام تغفو على رموش الطفولة، كأنّه الغيمة تسبح على بحيرة خيالية تُسمى بوح الطير، وفي رحلة قصيرة بعمر الوجود، كأنها حلم ذات ليلة هوجاء، مرّت على عاشق رمته العيون التي في طرفها حور، ثم أشاحت في وجوم، ثم تلاشت كأنها الخفقة في ضمير القمحة، وهي تروغ عنها وحشية غاشم محتال. في هذا المساء، استرخت القرية القديمة على حلم صبي، نام وفي قلبه رغبة بلقمة تبلّل الريق، ففي الصباح يكون العالم في حالة نوم أسطورية، ولا يمكن إيقاظ الكون، طالما تراجعت الساعة عن موعد لحظة الحشر وسحر المناسبة المبهجة.
نم حبيبي، نم يا طفلي، وغداً سوف أشعل تنور القلب، وأعد لك رغيفاً تشتهيه نفسك. نام الصغير، نام وفي رأسه صورة رغيف بحجم كف أمه، نام وفي عينيه غفت رائحة الخبز الحافي، وزمن يتقلّب على جمر اللظى، وقلب لا يزال لم يفقه لماذا ينام دون نتفة رغيف يشفي الجوع؟ لم يعرف إلا عندما وصل إلى الستين ونيف، ورأى ما يراه النائم حين تعزف الحياة لحن الخلود، وترقص الغيمة، والنجمة تصفق، وقيثارة الصحراء تعزف لأغنية لم يسمعها من قبل، واليوم تهفو نفسه لسماع ما يرهف القلب، ويدق نواقيس الورطة اللذيذة، في روحه، وفي كيان تحوّل من حال إلى حال، ولكن بعد ماذا؟ بعد فوات الأوان. يا الله كيف هي الروح دوماً تنزع إلى الرفاهية ولكن ليس كل ما تتمنى، تحظى به، وتناله.
الحياة مثل عربة يقودها جواد، فإن كان الجواد صحيحاً، معافىً استمرت في الصعود، وإن كان لا، فسوف تتدحرج العربة، حتى تدفن مصيرها. الطفل الذي انتظر رغيف الصباح، وربما نسي تلك الليلة كيف تلوى، وكيف أنّب أمه لماذا أنجبته، طالما لا تستطيع توفير حتى ولو رائحة لرغيف، أو لكف كان قد احتفظ لعرق التنانير المسائية ذات الرونق المهيب، والدخان حامل الذاكرة، وأبدية الكفوف التي ترقق العجين، ثم تلصقه في كبد تنور ملتهب، وأخريات، غارقات في السرد، والحكايات مثل الأنهار لا يجف معينها، لأن الأحلام كانت صافية، والمخيلة بوسع المحيط. الطفل الكبير اليوم نسي الرغيف، ولكنه لم ينسَ التنور، في وسط فناء كأنه ملعب، تصول على رمله القطط، وصغيرات في عمر الزهور. رمضان في ذلك الزمان، في القرية القديمة، رائع مثل عيون نسائها، مثل العلاقة بين الأقدام الحافية، ورمال الأزقة.
إقرأ المزيد


