«أوعية المرمر» شواهد على الثراء والتبادل التجاري
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

محمد عبد السميع (الشارقة)

في قلب المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة، برزت مليحة منذ القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الثالث الميلادي كواحدة من أهم المراكز الحضارية في الجزيرة العربية، لتُقدم اليوم عبر مكتشفاتها الأثرية صورة متكاملة عن مجتمع مزدهر سياسياً واقتصادياً وروحياً.

وتكشف التنقيبات الأثرية عن ملامح مدينة متطورة، إذ عُثر على قصور محصّنة تشير إلى وجود سلطة سياسية منظمة، وورش متخصصة لصناعة الفخار وسكّ العملات، إلى جانب قبور تذكارية ضخمة ومدافن فريدة للإبل والخيول، في دلالة واضحة على طبيعة الطقوس الجنائزية والمكانة الاجتماعية الرفيعة لبعض أفراد المجتمع آنذاك.
ومن أبرز المكتشفات التي سلّطت الضوء على ثراء مليحة، ما عُثر عليه في المقابر والمساكن من أوعية وجرار ثمينة مصنوعة من المرمر – المعروف أيضاً بالألبستر أو الكالسيت – وقد وُجدت بكميات كبيرة وبأحجام متعددة، تجاوز عددها 60 وعاءً، بعضها غير مكتمل ودُفن معاً في موضع واحد. وتشير هذه الكمية إلى حجم الثروة التي تراكمت في الموقع، فيما يُرجَّح أن بعض الأوعية أُخفيت عند هجران المدينة في القرن الثالث الميلادي.
كما كُشف عن أوعية أثقل وزناً وأقل انتظاماً مصنوعة من الحجر المعرّق، يُعتقد أنها تمثل تقليداً محلياً لواردات جاءت من جنوب شرق الجزيرة العربية، ما يعكس تفاعلاً تجارياً وثقافياً واسع النطاق. 

تخزين العطور 
وتتميز أوعية المرمر العربية، خاصة تلك التي تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، ببدن أسطواني أو شبه مخروطي، وقاعدة مسطّحة، وعنق قصير تعلوه حافة سميكة تنتهي بشفة ذات مقطع شبه دائري. ويرجّح الباحثون أن هذه الأوعية النفيسة، التي أُنتجت في جنوب الجزيرة العربية، استُخدمت لحفظ المراهم والمواد الطبية، إلى جانب استخدامها في الطقوس الجنائزية، وكذلك لتخزين العطور الثمينة مثل اللبان والمر والمواد الصمغية العطرية.
وكانت هذه المواد تُجمع من الأشجار التي تنمو في مناطق اليمن وعُمان حالياً، إضافة إلى كميات أقل من شرق أفريقيا، وشكّلت منذ مطلع الألفية الأولى قبل الميلاد عنصراً أساسياً في الاحتفالات الدينية، حيث استُخدمت في تكريم الآلهة، كما دخلت في صناعة العطور والأدوية بفضل خصائصها المعقّمة والمطهّرة، فضلاً عن استخدام المر كمسكن علاجي.
ومن بين النماذج اللافتة التي عُثر عليها في مليحة أوعية جاءت على هيئة خلية نحل، زُوّدت بحلقتين صغيرتين لتمرير الخيوط وتثبيت الغطاء، ويُعتقد أن هذه النماذج استُوردت من اليمن. وتميّزت أغطية بعض الجرار بتشكيلها على هيئة حيوان ذي أربع أرجل، فيما زُيّن بعضها الآخر برأس أسد في الأعلى، في تعبير فني يحمل دلالات رمزية وجمالية تبرهن على رقيّ الذوق الإنساني. 

تنوع حيوي 

المتصفح لخريطة هذه المكتشفات يجد أنّ هذه الأوعية الحجرية تمثّل تنوعاً حيويّاً ومفيداً لقراءة تاريخ المنطقة، والتبادل التجاري النشط آنذاك في الجزيرة العربية، والعلاقات التجارية الرائجة، وقد عملت هيئة الشارقة للآثار بحكومة الشارقة على عرض هذه المكتشفات بترتيبات منظمة ومناسبة، مع شروحات ترويجية لها في الموقع الأثري، وكذلك المادة المصنوعة منها، إضافةً إلى الفترة الزمنية، ولذلك تتشكل لدى الزائر خريطة ذهنية عن كل ذلك، فعلى سبيل المثال نجد حضوراً في مواقع: أم افنين، والثقيبة، والجبيل، والحمرية، والخان، والشارقة، واللؤلؤية، والمدام، وتل أبرق، وجبل مليح، ومليح، وجبل البحيص، وجبل الفاية، وخور كلباء، وخورفكان، ودبا الحصن، ورفادة، وسهيل، وكلباء، ومليحة، ومويلح، ووادي الحلو.

تقليد عريق 

يُعد إنتاج الأواني الحجرية من الأحجار الناعمة، كالمرمر والرخام المعرّق، تقليداً عريقاً في شبه الجزيرة العربية وعلى امتداد سواحل البحر المتوسط، لا سيما في مصر وبلاد ما بين النهرين. وقد أسهمت تجارة البخور والتوابل في تعزيز شبكات التبادل التجاري منذ عصور ما قبل التاريخ، لتمتد عبر طرق الملاحة في غرب المحيط الهندي. وهكذا، لا تمثّل أوعية المرمر المكتشفة في مليحة مجرد قطع أثرية صامتة، بل شواهد حية على شبكة تجارة عالمية قديمة، وعلى مجتمعٍ استطاع أن يحجز لنفسه مكانة بارزة في تاريخ المنطقة.



إقرأ المزيد