جريدة الإتحاد - 3/11/2026 2:13:53 AM - GMT (+4 )
لم يعرف الأدب الشّيعيّ الإماميّ، مِن قَبل، مصطلح المرشد، مثلما ظهر في الأدب الصُّوفيّ السُّنيّ، وعناوين لكتب مثل «مرشد الطالبيين» للإمام أبي حامد الغزاليّ (505هج) وغيرها، واستخدمه «الإخوان» لمن يتولى الإرشاد للفرع الأم بمصر، أما الفروع الأخرى فيشار إلى مسؤول كل فرع بالمراقب، وربما دخل المصطلح إلى السياسية عند «الإخوان»، وجماعات دينية- سياسية أخرى.
أما في الوسط الشّيعيّ، فظهر لقب «المرشد» مع الثورة الإسلاميَّة (1979)، ومِن قَبل عُرف رجل الدين الأول، وهو بمثابة «المرشد»، بشيخ الإسلام، وكان أول المعينين بهذا المنصب، الذي يُحاكي اللقب العثماني «شيخ الإسلام»، هو الشيخ عليّ عبد العال الكركي (940هج) الذي نصبه طهماسب الأول الصفوي، أن تخضع الدولة لأوامر وأحكام الشَّيخ، فهو نائب الإمام المهدي المنتظر(التَّنكابي، قصص العلماء). وبهذا حصل الفصل بين نيابة الإمام، التي كانت لإِسماعيل الصفوي، وسلطة الدَّولة، أي بين السُّلطة المدنية والسُّلطة الدِّينية. ولدوره في نشر المذهب الشِّيعي الإمامي في العهد الصَّفوي أُرخ له بعِبارة «مقتدى الشِّيعة»(المصدر نفسه).
إذن نحن أمام منصبين: المرشد والمرجع، الأول سياسيّ وله مرجعيّة دينية بما يتعلق بالأحزاب والمنظمات الولائية، وإلى جانبه يوجد مراجع لا يتعارضون، على الأقل، علانيةً مع العقيدة السياسيَّة، التي يمثلها المرشد. وكان أول المرشدين روح الله الخميني (1989)، ولم يحتج إلى انتخاب أو توافق، وكذلك المرشد خامنئي، قد حصل تكليفه بمباركة الخميني نفسه، لكن مع المرجع المعين مجتبى خامنئي، نجل المرشد السابق، فجري انتخابه داخل مجلس الخبراء، وهنا لا يتم التقيّد بالشروط المفروضة في «الولي الفقيه»، فخامنئي نفسه لم يكن أكبر المجتهدين، ولا نجله المرشد الثالث، كان مِن المجتهدين الكبار، أو مِن رجالات الثورة، فالأمر يتعلق بشرط الإخلاص للعقيدة، وكونه نجل خامنئي، وكان اسمه يتداول بقوة خليفةً لأبيه وهو على قيد الحياة.
أما اختيار المرجع الدينيّ للولاية الشرعيَّة، خارج الولاية السياسية، مثلما هو الحال مع مراجع النجف، وهذا لا يُعين ولا يُنتخب، فالمرجعية الدينية الشيعية لا تعرف التقليد الفاتيكاني بانتخاب «البابا» والإعلان عنه بظهور الدخان الأبيض، إنما يبرز المرجع الشيعي تلقائياً، لاجتهاده وكثرة المقلدين له، وتلعب الدعاية التي يفعلها «الحواشي» دوراً، وقد يوجد في الوقت نفسه أكثر مِن مرجع، ولا يُشخص الأعلى في هذه الحال، إلا أن يصفى له المنصب، مثلما حصل بعد وفاة حسين البروجردي (1961)، وصعود آية الله محسن الحكيم (1970).
في التقليد الشيعيّ، وكذلك الحال لا يُوَّرث منصب شيخ الإسلام، وإن حصل ذلك فيقرر ذلك الاجتهاد والشرائط، وليس صلة القرابة، وهذا ما تسمح به المرجعيَّة السِّياسيَّة، في حالة أن يكون مجتبي خامنئي مرشداً محل أبيه، وهذا ليس تقليداً متفقاً عليه، ولكن الابن يعرف أكثر عن مهمة أبيه، في هذه الظروف المهددة لوجود «ولاية الفقيه» بالكامل.
حصل توارث في المرجعية الدينية، يوم حُصرت بـ«كاشف الغطاء»، فقد خلف الشيخ جعفر الكبير-في القرن التاسع عشر-أولاده الثلاثة: موسى، وعلي، وحسن، لكن ذلك لم يحصل بتنصيب من الموروث إلى الوارث، إنما حصلوا عليها بالشروط المعتادة، الاجتهاد والمقلدين، وإن تدخل السياسة فلا تتدخل إلا كعامل مساعد، مثلما أبرق شاه إيران إلى محسن الحكيم معزياً بوفاة المرجع البروجردي، كإعلان لمرجعية الأول، كي لا يصل غيره، وهذا ليس عاملاً حاسماً، كذلك ما رغب به موسى الصدر عندما أبرق إلى أبي القاسم الخوئي معزياً بوفاة الحكيم، كي لا يصل الخميني حينها للمرجعية، وكانت حاشية الأخير تروّج لذلك.
أما مرشد الثورة أو مرجعها فمن غير مجلس الخبراء، يُقرر ذلك الحرس الثّوري، والقوى الفاعلة بإيران.
*كاتب عراقي
إقرأ المزيد


