أيلاف - 3/11/2026 2:56:18 AM - GMT (+4 )
إيلاف من لندن: في مؤشر جلي على تقلص مساحات الحل الدبلوماسي المبكر، اصطدمت المبادرات الدبلوماسية التي قدمها لبنان لوقف التصعيد العسكري بجدار الرفض الإسرائيلي المطلق. فقد كشفت صحيفة "فاينانشال تايمز" الثلاثاء، استناداً إلى تقاطعات معلوماتية من ثلاثة أشخاص مطلعين، أن حكومة تل أبيب تتبنى استراتيجية تفاوضية قاسية، قوامها إجهاض أي مسعى للتهدئة المسبقة، وفرض شرط استمرار الهجوم الإسرائيلي المتصاعد ضد جماعة "حزب الله" لضمان إجراء أي محادثات سياسية أو أمنية "تحت النار" فقط.
وتكمن العقدة الهيكلية التي تعرقل هذا المسار، وفقاً للصحيفة، في الخلاف الجذري حول ترتيبات التفاوض وتوقيتها. ففي حين تتمسك بيروت بإرساء "وقف إطلاق نار" شامل وميداني كشرط بديهي ومسبق قبل عقد أي اجتماع لترتيب الأوراق، تعتمد الحكومة الإسرائيلية مقاربة مغايرة تماماً، تحصر النقاش في مجرد مناقشة إمكانية وقف إطلاق النار تزامناً مع استمرار الآلة العسكرية في توجيه ضرباتها. هذا التباين الحاد يفرغ الحراك الدبلوماسي من فعاليته، ويضع لبنان أمام استحقاق سياسي معقد تحت وطأة الضغط الميداني المستمر.
لفهم هذا التعنت الإسرائيلي، لا بد من العودة إلى الخلفيات الاستراتيجية لانهيار اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024. القيادة العسكرية الإسرائيلية، التي زجت بفرقها المدرعة (91، 210، 146، والفرقة 36) في توغلات برية عميقة شملت بلدات الخيام ورب ثلاثين ومحيط جبل دوف، تنظر إلى أي هدنة مسبقة على أنها فرصة مجانية تتيح لمقاتلي "حزب الله" إعادة التموضع التقني واللوجستي. لذا، تسعى تل أبيب لتوظيف الكلفة الإنسانية الباهظة — التي تُرجمت بنزوح قسري قارب المليون لبناني وتدمير ممنهج للبنى التحتية في الضاحية الجنوبية وصور وصيدا — كورقة ابتزاز ديموغرافية وسياسية تجبر صانع القرار اللبناني على القبول بتسويات تمس السيادة وتخلق واقعاً أمنياً جديداً جنوب نهر الليطاني.
تتجاوز هذه الديناميكية حدود الجغرافيا اللبنانية لتصب في صلب المشهد الإقليمي المشتعل. فالرفض الإسرائيلي لـ"المبادرات الدبلوماسية" التي قدمها لبنان يأتي مدعوماً بمظلة أميركية تهدف إلى إعادة هندسة توازنات القوى في الشرق الأوسط، لا سيما في مرحلة ما بعد التطورات الدراماتيكية التي طالت هرم القيادة الإيرانية. في هذا السياق، تتحول ساحة الجنوب اللبناني إلى صندوق بريد دموي، حيث تُستخدم خريطة التحركات الدبلوماسية المعطلة كغطاء زمني يمنح الجيش الإسرائيلي المساحة الكافية لتفريغ بنك أهدافه العسكرية، وتكريس معادلة المنتصر والمهزوم قبل الجلوس إلى أي طاولة مفاوضات.
إقرأ المزيد


