جريدة الإتحاد - 3/13/2026 2:49:03 AM - GMT (+4 )
يلجأ ما يقرب من 50 مليون أميركي إلى المحاكم كل عام من دون محامٍ. ويُعد ذوو الدخل المنخفض الأكثر عرضة للمشكلة، إذ يقول معظمهم إنهم «لا يحصلون على أي مساعدة قانونية أو لا يحصلون على مساعدة كافية» في القضايا المدنية الكبرى التي يواجهونها. وتحتل الولايات المتحدة المرتبة 107 من بين 142 دولة من حيث سهولة الوصول إلى العدالة المدنية وتكلفتها، وفقاً لمشروع العدالة العالمية، كما تأتي في المرتبة 47 من بين 47 دولة مرتفعة الدخل.
كان من المفترض أن تكون هذه الأرقام صادمة، لكنها ليست كذلك، ويعود ذلك في الغالب إلى أنها ظلّت بهذا السوء لعقود. في غضون ذلك، انشغل قطاع الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القليلة الماضية بنقاشه الخاص حول المحامين: هل يستطيع برنامج «تشات جي بي تي» اجتياز امتحان نقابة المحامين؟ هل يستطيع الذكاء الاصطناعي صياغة عقد بكفاءة محامٍ مبتدئ؟ هل يمكنه أن يحلّ محلّ شريك يتقاضى 1000 دولار في الساعة في شركة محاماة مرموقة؟
هذه أسئلة خاطئة. لن يأتي التأثير الاقتصادي الأكبر للذكاء الاصطناعي من استبدال المحامين أو غيرهم من المهنيين، بل من قيامه بالأعمال التي لا تستحق وقت هؤلاء المهنيين.
هناك مبدأ اقتصادي يفسر ذلك: التكلفة ومستوى الأداء المطلوب مرتبطان ببعضهما. فعندما يكون الشيء مكلفاً، يطالب السوق بأداء مرتفع جداً يبرر السعر. وعندما يكون رخيصاً، ينخفض مستوى الأداء المطلوب. يبدو ذلك بديهياً، لكن دلالاته ليست كذلك.
تستثمر الشركات موارد ضخمة في تحسين أداء الذكاء الاصطناعي. تتوقع شركة «أوبن إيه آي» وحدها خسارة 74 مليار دولار في عام 2028. وذلك على الرغم من أن تحليلاً أجرته مؤسسة «إيبوك إيه آي» Epoch AI وجد أن «جي بي تي-5» GPT-5 لم يستطع استرداد تكاليف البحث والتطوير الخاصة به خلال الأشهر الأربعة التي قضاها كنموذج رائد.
لكن العلاقة بين التكلفة والأداء تشير إلى أن الفرصة الحقيقية تكمُن في الاتجاه المعاكس ليس في جعل الذكاء الاصطناعي أفضل، بل في جعله أرخص. لأنه عندما تنخفض التكاليف بدرجة كافية، ينخفض أيضاً مستوى الأداء الذي يحتاج إليه المستخدمون إلى مستوى قريب مما يستطيع الذكاء الاصطناعي تقديمه بالفعل.
ويشير الاقتصاديون إلى «الأسواق المفقودة» عندما تكون هناك معاملات كان من المفترض أن تتم ولكنها لا تتم، لأن أحداً لا يستطيع تقديم سلعة أو خدمة بسعر يحقق الربح وفي الوقت نفسه يستطيع المشترون دفعه. وتنتشر هذه الظاهرة في قطاع الخدمات المهنية في الولايات المتحدة. هؤلاء الخمسون مليون متقاضٍ الذين هم بلا تمثيل قانوني لا يرغبون في الاستغناء عن محامٍ، لكنهم ببساطة لا يستطيعون تحمّل تكاليفه. ولا تقتصر المشكلة على القانون فحسب، فالمحاسبون القانونيون المعتمدون يتقاضون ما بين 150 و400 دولار في الساعة. وتتراوح تكلفة إعداد الضرائب للشركات الصغيرة بين 500 و2500 دولار. يتخذ ملايين أصحاب الشركات الصغيرة والعاملين لحسابهم الخاص قرارات ضريبية ومالية مصيرية دون أي مساعدة مهنية. فهم يدفعون مبالغ زائدة، ويفوتون خصومات ضريبية، وينظمون شؤونهم المالية بشكل خاطئ - ليس بسبب الإهمال، بل لأن فاتورة المحاسب قد تلتهم أي فائدة يمكن أن يقدمها. وينطبق هذا الأمر نفسه على كل شيء، من الدروس الخصوصية إلى معاملات الهجرة.
الخبر السار هو أن الذكاء الاصطناعي يتجه نحو التكلفة المنخفضة. فبحسب مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي، انخفضت تكلفة الاستدلال لنظام يعمل بمستوى GPT-3.5 بأكثر من 280 ضعفاً بين نوفمبر 2022 وأكتوبر 2024. ووجدت شركة Epoch AI أن أسعار الاستدلال عبر المعايير القياسية تتراجع بمعدل متوسط يقارب 50 ضعفاً سنوياً. وتُعد هذه من أسرع معدلات انخفاض الأسعار في تاريخ التكنولوجيا.
الاعتراض البديهي هو أن تقديم روبوت محادثة بدلاً من متخصّص ليس تقدماً حقيقياً، بل هو مجرد حلّ ترضية. لو كانت المقارنة بين الذكاء الاصطناعي ومحامٍ أو محاسب حقيقي، لكان هذا الاعتراض مقبولاً. لكن بالنسبة لمعظم الاحتياجات التي لا يتم تلبيتها، فهذه ليست المقارنة المناسبة. فـ92% من الاحتياجات القانونية غير الملباة لا تُلبى حالياً من قِبل أي جهة. الخيار ليس بين الذكاء الاصطناعي والمتخصّص، بل بين الذكاء الاصطناعي والعدم.
يُعيد هذا صياغة التحدي الاستراتيجي الذي يواجه صناعة الذكاء الاصطناعي. تُنفق المختبرات الرائدة مئات المليارات من الدولارات على رهانٍ مفاده أن الذكاء الاصطناعي الخارق بات في متناول اليد. ربما يكون كذلك. لكن الأسواق المفقودة لا تتطلب نجاح هذا الرهان، بل تحتاج فقط إلى ذكاء اصطناعي رخيص بما يكفي لخدمتها بشكل مربح. هذا ليس مستقبلاً مُحتملاً، بل هو مسارٌ قائم بالفعل.
يُحاكم خمسون مليون أميركي سنوياً دون محامٍ. تعتقد صناعة الذكاء الاصطناعي أن حلّ هذه المشكلة يكمن في بناء نظام ذكي بما يكفي ليحل محل المحامي. لكن الحل الحقيقي قد يكون في بناء نظام رخيص بما يكفي ليُغنيهم عن ذلك.
*كاتب متخصص في قضايا التقنية
ينشر بترتيب خالص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


