مصدر قوة جيسي جاكسون
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

شرُفتُ بدعوة عائلة القسّ جيسي جاكسون لإلقاء كلمة في مراسم تأبينه في شيكاغو. ولأنني عملتُ مع القس جاكسون لما يقارب نصف قرن، ولأنه كان له مكانة عظيمة في قلبي وقلب عائلتي ومجتمعي، فقد بذلت جهداً كبيراً في إعداد كلمتي.

ولم تكن مهمتي سهلة، خاصة أن كلمتي كان سيسبقها حديث رئيسيْن سابقين للولايات المتحدة، جو بايدن وباراك أوباما، ويتبعها حديث رئيس آخر هو بيل كلينتون. وبينما أقرّ هؤلاء وغيرهم من المتحدثين بإسهامات جاكسون في تمكين الأميركيين من أصول أفريقية سياسياً واقتصادياً، اخترتُ نهجاً مختلفاً، محاولاً فهم ما الذي رفعه فوق غيره من قادة جيله.

كان جاكسون شخصية فريدة. كان يشعر بالارتياح وهو يسير في شوارع القاهرة والكويت والقدس والخليل، كما يشعر به في شيكاغو. وكان مدهشاً حقاً أن ترى ردود الفعل التي كان يثيرها لدى الناس أينما يذهب. كانت لديه قوة خاصة، وقد فكرت كثيراً في طبيعة هذه القوة ومصدرها. كانت إحدى الملاحظات الأولية أن القسّ جاكسون كان يحمل على عاتقه إرث أجيالٍ عديدة. لقد شعر بألم تاريخه الشخصي وتاريخ شعبه. عندما كان يسير في الشارع أو عندما كان يتحدث، كان الناس يشعرون بالألم الكامن في داخله. كان هناك شيءٌ في نبرة صوته يقول: «استمعوا إليّ لأني أفهمكم. لقد مررتُ بما تمرّون به، وعانيتُ من نفس الآلام».

وقد استمع الناس إليه بالفعل لأنهم أدركوا أنه كان يخاطبهم ويتحدث نيابةً عنهم. كان هناك جانبٌ مهمٌ في رؤيته للعالم. فقد كان جزءاً من جيلٍ لم يرَ في أميركا الساحة الوحيدة لنشاطه، بل كان شخصاً عالمياً. عندما كان يذهب إلى أفريقيا، أو العالم العربي، أو آسيا، أو الأميركتين، كان يشعر بأنه جزءٌ من ذلك العالم. كان جزءاً من وعي التحرر الذي كان يغيّر العالم، ويلقي بقيود الاستعمار، وكذلك القيود النفسية التي فُرضت على الشعوب المستعمَرة وجعلتها تحدّ من نفسها. كان هذا جوهر رسالته. فعندما كان يُحفّز الشباب على ترديد «أنا إنسان ذو قيمة»، كان يقول لهم بألا يُصغوا إلى أولئك في الثقافة السائدة، الذين يُوهمونهم بأنهم غير أكفاء أو غير أذكياء. وهكذا، جمع بين هويته الأميركية وكونه فرداً من العالم، وكان مرتاحاً للقاء السعوديين والكويتيين، أو الفلسطينيين في الخليل المحتلة أو القدس، أو حتى دعم الأميركيين العرب هنا في وطنهم. لم نكن غرباء بالنسبة له. كان من المذهل السفر معه في أنحاء البلاد للقاء الأميركيين العرب.

ولأنهم كانوا مهمّشين من قِبل المؤسسة السياسية، كان بإمكانك أن ترى الحماس على وجوههم لأن شخصاً ما اهتم لأمرهم وتحدّث إليهم، وأن هناك مَنْ يذكر عبارة «أميركيون عرب» ويتحدث عن معاناة الفلسطينيين واللبنانيين. لقد بعث الحيوية في مجتمعٍ بأكمله. وعندما كان يقول للجماهير السوداء إن «وقتنا قد حان»، كان الأميركيون العرب يفهمون أنه يقصدنا نحن أيضاً.

ولن أنسى ذلك أبداً، لأنه أحدث فرقاً بالنسبة لي ولعائلتي ولأناس في أنحاء الشرق الأوسط. وقد رأيت هذا بنفسي في الشرق الأوسط عندما تحدّى الإسرائيليين والتقى بالفلسطينيين وعقد اجتماعات سياسية في القدس. وكانت هذه القوة الشخصية نفسها هي التي أدت إلى إطلاق سراح الطيار الأميركي «روبرت جودمان» الذي أُسقطت طائرته وكان محتجزاً في سوريا عام 1984. كان جاكسون قد طلب مني إجراء بحث لمعرفة ما إذا كان إطلاق سراح جودمان ممكناً.

وبعد أن أنهيت عملي نصحته بألا يذهب، وقلت له: «لا يوجد ضمان أن يلتقي بك الأسد أو أنك ستتمكن من تحرير جودمان». لكنه ذهب على أي حال، لأنه كان يعلم أنه إذا تمكّن من دخول سوريا، فلا يمكن للأسد أن يرفض مقابلته. وإذا تمكّن من الجلوس مع الأسد، فلا بد أن يُعيد «جودمان».

وهذا يقودنا إلى المصدر الأخير لقوة جاكسون، وهو أنه كان يستخدمها من أجل الآخرين. فإذا كان مصدر قوتكَ هو الثروة أو الجيوش واستخدمتَها لمصلحتك الشخصية، فإنها ستتضاءل عند إنفاقها. لكن إذا سخّرت قوتك لخدمة الآخرين، فستمتلك القدرة على إحداث التغيير. وتزداد قوتك لأن الناس يعلمون أنك معهم ومن أجلهم ومنهم. هذا ما كان عليه هذا الرجل، وهذا ما جعله فريداً.

رئيس المعهد العربي الأميركي - واشنطن
 



إقرأ المزيد