إغلاق مضيق هرمز..عمل إجرامي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 إن الإجراءات العدوانية التي اتخذتها إيران لإغلاق مضيق هرمز والسيطرة عليه، الذي يمر عبره خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، تمثّل حرباً على الأبرياء من عامة الناس. ويمكن وصفها بسهولة بأنها عمل إجرامي بدأ يؤثّر على حياة الناس العاديين في جميع أنحاء جنوب وجنوب شرق آسيا. إذ ترتفع أسعار النفط، ونقص الغاز الطبيعي المسال يُوصل الصراع إلى مطابخ المدنيين الفقراء الأبرياء. ليست الولايات المتحدة أو إسرائيل فقط هي التي تشعر بوطأة الأزمة، بل الدول الآسيوية أيضاً.

فالعداء بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، الذي بدأ في أواخر فبراير الماضي، مستمرٌ دون أفق واضح للحل. وفي أنحاء آسيا، أبرزت هذه الأزمة مدى اعتماد دول القارة على النفط القادم من الشرق الأوسط.
كما أن الأزمة لها تداعيات عالمية، نتيجةً للاعتداءات الإيرانية غير المبررة على البنية التحتية المدنية في دول الخليج العربية، من قطر إلى البحرين والإمارات العربية المتحدة وعُمان والسعودية. ويُجبر استهداف البنية التحتية للطاقة في هذه الدول، دون أي استفزاز، مصافي النفط على إعلان حالة القوة القاهرة، ما يدفعها إمّا إلى وقف الإنتاج أو تقليصه إلى أدنى حد. وتُخلّف هذه التطورات تداعيات خطيرة على آسيا، التي تعتمد على دول الخليج العربية في تلبية احتياجاتها من الطاقة، حيث تعتمد اقتصادات نامية عديدة، كالهند، اعتماداً كلياً على النفط والغاز.

ففي الهند، تضررت قطاعات واسعة، من المطاعم إلى المقاهي الصغيرة، وسط تزايد الطلب على أسطوانات غاز الطهي في ظلّ انخفاض المعروض. كما تأثّرت قطاعات أخرى، من الزراعة والنسيج إلى شركات الطيران، نتيجةً لتقليص حركة الطيران في الشرق الأوسط.
لا يوجد يقين يُذكر بشأن موعد انتهاء الصراع، في ظل سيطرة إيران الخانقة على مضيق هرمز، والتي تؤثر على حركة السفن. إن الهجمات على سفن الشّحن العادية التي تحمل بضائع أساسية، بما في ذلك إمدادات الاقتصاد العالمي، وقتل البحارة المدنيين الأبرياء على متنها، أمرٌ لا يُمكن تبريره بأي حال من الأحوال، ويُعدّ بمثابة جريمة حرب. وتتعطل شحنات النفط والغاز على متن السفن بينما تحلق الطائرات المسيّرة فوقها.
ويمرّ عبر مضيق هرمز 84% من النفط الخام و83% من الغاز الطبيعي المسال في آسيا. وتستحوذ الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على ما يقرب من 70% من شحنات النفط. وقد حافظت الهند على توازن موقفها بفضل علاقاتها المتنامية مع دول الخليج العربية، كالإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية. لكن حتى هذا لم يحمِ الهند تماماً، التي تربطها علاقات وثيقة بكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا تزال أولوية الهند ضمان بقاء طرق الطاقة مفتوحة، والاستفادة من علاقاتها مع جميع الأطراف لضمان حصولها على إمدادات كافية من الطاقة لتشغيل اقتصادها الضخم. ورغم أن الهند تمكنت من الحصول على سفينتين تحملان أكثر من 92 ألف طن من الغاز المسال، نظراً لتأثير النقص الحاد الذي تعاني منه على جميع جوانب الحياة في الهند، فقد قامت الحكومة بتقييد الإمدادات الصناعية لحماية غاز الطهي المنزلي. ومع ذلك، ارتفع الطلب بسبب الشراء بدافع الذعر، وارتفعت الأسعار بنحو 60%، كما أن السوق السوداء تُزيد الضغط على الأسعار.
كل هذا دفع الحكومة إلى تفعيل قانون السلع الأساسية لتنظيم إمدادات الغاز المسال ومنع المضاربة والبيع في السوق السوداء. كما زادت الحكومة إنتاج غاز الطهي للاستخدام المنزلي. ومع إغلاق المطاعم في بعض المدن، طلبت العديد من الشركات من موظفيها إحضار طعامهم من منازلهم. ويعود هذا التأثير الواسع النطاق في الهند إلى استيرادها 60% من احتياجاتها من الغاز المسال، والتي يمر 90% منها عبر مضيق هرمز الحيوي. ورغم أن الهند عزّزت إمداداتها النفطية من روسيا، إلا أن أسعار النفط لا تزال مرتبطة بإنتاج دول الخليج العربية. كما أن سلامة المواطنين الهنود تُشكّل مصدر قلق بالغ، إذ يعيش ويعمل ما بين 9 و9.5 مليون هندي في دول مجلس التعاون الخليجي، ويشكّلون أكبر جالية أجنبية في كل منها. 
ولا تقتصر التداعيات على الهند فحسب، بل تمتد لتشمل جميع أنحاء القارة الآسيوية. ففي فيتنام، مُنح الموظفون خيارات العمل عن بُعد لتقليل استهلاك الوقود. كما أفادت التقارير الفيتنامية بأن البلاد تلجأ إلى صندوق تثبيت أسعار الوقود لديها.
وأعلن رئيس وزراء تايلاند فرض سقف مؤقت لأسعار الديزل. وفي حين أعلنت باكستان أسبوع عمل من أربعة أيام لجميع المكاتب الحكومية، بدأت تايلاند والفلبين في تشجيع العمل المرن في القطاع العام. وبالمثل، تأثرت السياحة وحركة الأفراد بسبب توقف الرحلات الجوية أو تغيير مساراتها. فعلى سبيل المثال، تضررت السياحة إلى دول جنوب وجنوب شرق آسيا من أوروبا والولايات المتحدة.
من الواضح أن هناك حاجة مُلحِّة لإيران لإعادة النظر في استراتيجيتها لإنهاء الحصار المفروض عليها. فالبلاد جزء من قارة آسيا، وهذه حقيقة لا يمكن تغييرها. إن إنهاء عداء إيران تجاه جيرانها، ضرورة مُلحِّة للعيش في جوار سلمي يزخر بفرص عديدة للتنمية والرفاهية وتحسين أوضاع شعوب المنطقة.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي



إقرأ المزيد