جريدة الإتحاد - 3/18/2026 1:56:57 AM - GMT (+4 )
شهد العِراق، في تاريخه، ثنائيات مِن المتحاربين على أرضه: الساسانيون بالشرق والرومان بالغرب، والصفويون في الشَّرق والروم بالغرب، أولئك عجم وهؤلاء روم، فقيل في الكنايات «بين العجم والروم بلوة ابتلينا»، وبين العثمانيين والإنجليز، فجاء في أغانيهم «جلجل عليَّ الرُّمان نومي فزعلي»، وهي أغنية تراثية رمزية، الرُّمان إشارة إلى الطربوش العثماني الأحمر، ونومي (الليمون) الأصفر رمز للبريطانيين، وإن صحّ المعنى أو لم يصح فالثنائية موجودة.
في الحرب الأخيرة، خلافاً لبقية الدُّول، التي تتعرض للنيران الإيرانيَّة، تجد العراق يُقصف بنارين، الإيرانيَّة والأميركيَّة، فالوجود هناك متجاور، أميركي بحكم الغزو (2003) والمسؤوليَّة عليه مِن عدة نواحٍ، ووجود الفصائل ذات العقيدة الإيرانيَّة الولائية، ومعلوم أنَّ الفصائل المسلحة، في معظمها، إيرانية النشأة، نشأت تحت أعين الأميركان منذ 2003، وكأن ذلك كان اتفاقاً مع إيران، وإلا ما المانع آنذاك مِن عدم السَّماح بنشأتها وانشطارها حتَّى أصبحت لإيران ظهيراً، وآخر ذلك وردت الإشادة بها في كلمة المرشد الوريث، فجرف الصَّخر الذي ضربه الأميركان أكثر من مرة صار منطقة خاصة لكتائب «حزب الله» العراقية، يصعب على السلطة دخوله، أو التدخل في شؤون ما يصنع فيه مِن أسلحة، وما يُخطّط وينفّذ منه. بينما إذا عدنا إلى الوراء لم نجد إيران حريصةً على إسقاط النظام السابق، وتحديداً بعد وقف الحرب، رحيل الخميني (1989)، بل تحسّنت العلاقات بسرعة مذهلة بعد غزو الكويت (1990).
حتى جماعة مِن قياديي حزب «الدعوة الإسلامية»، أصدرت بياناً ضد الإعداد لغزو العراق، بالتزامن مع مؤتمر لندن (ديسمبر 2002)، إلا أنه بعد السلطة تبوأوا المناصب داخل العراق. تعلم إيران أن عدواً معروفاً أنهكته الحروب وشلّه الحصار، أفضل من جيش أميركي، وربما نظام غير مضمون الولاء على حدودها. فلم يكن بالبال أن تقطف الثمرة، بعد تفعيل ما عُرف بالمقاومة بإدخال المسلحين عبر سوريا، وإشعال الحرب الكارثية بالنجف (2004)، للإسراع بخروج الأميركان، وكان يديرها أحد أقطابها، المطلوب بتهمة الإرهاب، والذي عاد ليكون نائباً ضمن «دولة القانون»، بعد الانسحاب الأميركي (2011) لم يكن نظام ولاية الفقيه يهمّه العراق ولا المعارضة، وهي سلطة اليوم، إنما الأهم بقاء هذا البلد مُصرّفاً لأزماته، مقدراته السياسية والاقتصادية رهن إشارته، يُحارب بشبابه شرقاً وغرباً. لهذه الغاية بدأت بإنشاء الفصائل! فما لم تحققه إيران بحشود تصدير الثورة وبالحرب، عادت لتحققه عبر مَن كادت تبيعهم مقابل «مجاهدي خلق» (إشارة إلى المقترح الإيراني لاستبدال المعارضة الإيرانية التي كانت معسكراتها بالعراق، بالمعارضة العراقية التي كانت معسكراتها بإيران). مصلحة السياسة والأيديولوجيا ليست أواصر مذهبية ولا دينية، ففي لحظة يصبح العدو صديقاً والصديق عدواً.
ما زال العراق أرضاً يوطأها المتنازعون، وستكون خسارته فادحة هذه المرة، فالمناشدات أو التهديدات للفصائل، مِن قِبل السلطة العراقيَّة، في عدم توريط العراق، لا تجد آذاناً صاغية، فالأهداف المقصودة مِن قِبل إيران على أنها منشآت أميركيَّة يُقابلها رد أميركيّ مباشر بقصف الفصائل المسلحة المنتشرة بالعراق، والفصائل التي حياها المرشد ليست واحدة ولا اثنين، إنما جيش كبير، يُضاهي جيش الدولة عدداً وعُدّةً، فكيف يُرفع العراق مِن المعركة، وقد تكون الحاسمة فوق أرضه، فالخطورة ليست في الفصائل فحسب، إنما في مؤسسات الدولة وصِلاتها الإيرانية، فلكُم قياس التورط العراقي، مع وجود مخلصين أدركوا الخطورة مبكراً.
جاء العنوان محاكاةً للمنطق الأرسطي «الثالث المرفوع»، أي لا توجد غير قضيتين، كاذبة وصادقة، فالثالثة لا وجود لها، إلا في حال موقع العراق ما بين الشرق والغرب، يكون الثالث موجوداً، فمنذ القِدم، وربّما في زمن صاحب القانون أرسطو طاليس، كُسر قانونه، الشرق والغرب والعراق الثالث الموجود، الأرض التي تتواجه عليها الجيوش، فالالتحام الأول والأخير عليها، والغزاة يأتونه من دون استئذان مِن البابين: الشَّرقيّ والشِّماليّ.
*كاتب عراقي
إقرأ المزيد


