إيران و«الإخوان» في مرآة الاعتداء
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 في خضم الصراع الراهن وما صاحبه من اعتداء إيراني متصاعد، تكشّفت ملامح تقاطع لافت في المسارات بين النظام الإيراني وجماعة «الإخوان» وشركائهم في الفكرة والغاية. لحظة الأزمة أزاحت الستار عن تخادم أيديولوجي وسياسي يتجلّى في الخطاب والموقف وتبادل الأدوار ضمن مشهد إقليمي بالغ التعقيد. «الإخوان»، في جوهرهم، يتجاوزون صورة التنظيم إلى مرتبة البنية الذهنية، التي تتسرّب إلى اللغة والخيال السياسي وأدوات التأثير.

ولهذا تظهر وجوهٌ تتصدر مشهد الخصومة معهم، فيما تعيد إنتاج منطقهم داخل دوائر السياسة والمجتمعات، وتمنح مشروعهم مجالات أوسع خارج الحكم المباشر، فتغدو «أخونة» المجال العام وظيفة تؤدّيها قوى متعدّدة تحت شعارات متباينة. وجاء الصراع الراهن مع إيران كاشفاً لامتدادات هذا النسق الفكري، إذ بدت تقاطعات المواقف والخطابات دليلاً على شبكة أوسع من التخادم الأيديولوجي والسياسي. يكشف التأمل في البنية الفكرية للنظام الإيراني ولـ«الإخوان» عن تقاطعات عميقة في المفاهيم المؤسسة للسلطة والهوية السياسية.

في أدبيات الخُميني وخامنئي تتجلى فكرة الحاكمية بوصفها امتداداً لولاية دينية تتجاوز حدود الدولة، فيما صاغ حسن البنا وسيد قطب تصوراً موازياً يجعل الحاكمية إطاراً لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع وفق تصور عقدي شامل. ومن هذا المعين تنبثق مفاهيم الجهاد، والولاء والبراء، كأدوات لترتيب المجال السياسي وإعادة تعريف الانتماء والشرعية. في محطاتٍ عربية مفصلية بدا التناغم بين إيران و«الإخوان» أقرب إلى تلاقي وظيفةٍ سياسية منه إلى مجرد تقاطع أيديولوجي عابر، فمع اهتزاز المنطقة بعد «الربيع العربي» في 2011 أظهرت دراسات بحثية أن طهران دعّمت بقوة صعود قوى الإسلام السياسي حين خدم ذلك إعادة تشكيل موازين النفوذ. كشف المسار المصري دعم إيران لحقبة حكم «الإخوان» حينها، ومحاولة بناء نفوذ فكري وسياسي في المجال المصري. فيما كشف المسار السوداني الصلات بين الخرطوم وطهران، حضورَ الدعم الإيراني العسكري عبر الطائرات المسيّرة، بالتوازي مع صعود شبكات إسلامية تقاتل إلى جانب الجيش.

وفي أحدث التقديرات الرسمية، وُصفت بعض هذه التشكيلات بأنها تلقت تدريباً ودعماً من الحرس الثوري، بما يعزّز صورة التخادم بين المشروعين في مواجهة الدولة المدنية ومساراتها الحديثة. يتوارى هذا التقاطع الأيديولوجي والتخادم السياسي خلف عناوين مشحونة بالرمزية التعبوية، من استدعاء ما يسمونه بـ«العدو المشترك»، إلى توظيف قضية الأقصى والاحتلال، إلى الاستثمار في خطاب «المقاومة» بوصفه غطاءً لتوسيع النفوذ وإعادة تشكيل الولاءات. وفي عمق هذا المشهد يظهر طرفٌ أشد تغلغلاً في جسد الإقليم، وأكثر قدرة على تحويل الشعارات إلى أدوات اختراق واضطراب، كما يظهر تيارٌ يتزيّن بهوية الإسلام، ليكتسب شرعيةً وجدانية، فيما يحمّل الدين ما ليس من جوهره، والإسلام أرفع منزلةً من أن يُختزل في مشروع حزبي مغلق.

وفي هذه اللحظة المضطربة من تاريخ المنطقة تنكشف خرائط الولاء الفكري بوضوحٍ أشد، فيُعرَف حَمَلةُ نسق «الإخوان» عبر مواقفهم العملية: من يسوّغ الاعتداء الإيراني بخطابٍ تبريري، ومن يدير البوصلة نحو خصوم طهران طلباً لتخفيف وقع الحرب عليهم، ومن يتحرك بحماسةٍ لإنقاذ النظام تحت عناوين الوساطة والتهدئة، ومن يعزل الفعل العدواني عن مرجعيته العقدية الدينية عبر شعارات الأمة والوحدة الإسلامية. وفي ضوء هذه التجربة تتبلور حاجةٌ فكرية وسياسية لإعادة تصنيف «الإخوان»، وتوسيع البحث التحليلي في شبكاتهم الممتدة وخلاياهم الكامنة داخل المجالين الفكري والسياسي. تفضي هذه القراءة إلى خلاصةٍ واضحة: تلاقي المشروعين الإيراني و«الإخواني» ينتمي إلى بنية فكرية واحدة تتوسّل الدين أداةً للهيمنة السياسية وتوسيع النفوذ. وفي ضوء التجربة الراهنة يترسّخ وعي إقليمي أشد صلابة في صون الدولة الوطنية، وترسيخ مفهوم المواطنة والاعتدال، وتعزيز اليقظة الفكرية بوصفها درعاً يحفظ المجتمعات من اختراق الأيديولوجيات العابرة للحدود.

هكذا كشف الاعتداء الإيراني على دول الخليج عن هشاشة الشعارات، التي رُفعت من مرجعية نظام طهران ومن «الإخوان» باسم وحدة الأمة والمصير المشترك والأخوّة الدينية، فانهارت صورتها في وعي من اغترّ بها. وكل مسعى لإحياء الصلة مع المرجعية الدينية الإيرانية يعبّر عن مسارٍ «إخواني» ماكر يستدعي يقظة حازمة تقطع طريقه.

*كاتب إماراتي
 



إقرأ المزيد