جريدة الإتحاد - 3/21/2026 12:40:43 PM - GMT (+4 )
منذ اندلاع القتال بين إسرائيل و«حزب الله» بعد 7 أكتوبر 2023، وأنا أحاول الاطمئنان على منزلي من خلال اتصالي بحارس المنزل أسبوعياً. هل الطريق سالك؟ هل المياه جارية؟ هل المنزل ما زال قائماً؟ يخبرني بما يراه. أطلب منه أن يفعل ما بوسعه. في 2024 تم وقف إطلاق النار، لكن إسرائيل واصلت شن غارات متفرقة على لبنان. هذا الشهر، تحولت المنطقة إلى جبهة رئيسية في الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران. أمرت إسرائيل السكان بمغادرة حيّنا، وأرسلت جيشها وطائراتها المقاتلة لمواجهة «حزب الله».
وخلال أسبوعين، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 800 شخص، وشرّدت نحو 800 ألف آخرين من منازلهم هناك وفي أماكن أخرى من لبنان، مع ضربات مدمرة على بيروت، وحوّلت المدارس والملاعب والأرصفة وغيرها من تفاصيل الحياة اليومية إلى ملاجئ.جاءت الأوامر بعد أن أطلق «حزب الله» النار على إسرائيل، مُعلناً أنه ينتقم لاغتيال علي خامنئي، ويدافع عن لبنان. وردّت الحكومة اللبنانية بحظر أي نشاط عسكري لـ«حزب الله»، مُعلنةً أن الدولة وحدها هي من تملك حق اتخاذ القرارات بشأن الحرب والسلام.
وقال الرئيس جوزيف عون يوم الاثنين إن «حزب الله» «لم يُبدِ أي اكتراث بمصالح لبنان أو أرواح شعبه». لعقود طويلة، كان لبنان مسرحاً لحروب الآخرين وحروبنا التي لم تُحسم بعد: الفلسطينيون والإسرائيليون، السوريون والإسرائيليون، الميليشيات والدولة. لم تختفِ خطوط الصراع القديمة للحرب الأهلية تماماً، وحروبٌ جديدةٌ تجد باستمرار الأرض نفسها. حتى الآن، وبعد كل هذه السنوات، لا يزال لبنان عالقاً بين حزب يدّعي الدفاع عنه - «حزب الله» - وحرب تُركت البلاد لتتحمل تبعاتها. لا يزال منزلي قائماً.
لكنه، كحال الكثير من البلاد، يبقى سليماً رهناً بأهواء الجيوش المحيطة به. يتحدث السياسيون اللبنانيون منذ ما لا يقل عن 30 عاماً عن إنهاء النفوذ الهائل لـ «حزب الله». ففي عام 1996، خلال احتلال إسرائيلي سابق، تحدث رئيس الوزراء رفيق الحريري عن خطط لنزع سلاح الحزب ودمجه في الحياة السياسية اللبنانية بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب.
لم يكن الحريري يطرح مقترحات هامشية، بل كان يعيد بناء بيروت، مدركاً أن تفكيك الميليشيات لا يتم بالمواجهة، بل بجعلها غير ضرورية، ببناء دولة فاعلة تجعل فكرة قيام دولة موازية غير ذات جدوى. كان يقول: أزيلوا الاحتلال، أزيلوا السبب، وسيتبع ذلك نزع السلاح. كانت هذه نظرية منطقية ومحددة لكيفية عمل لبنان. لكنها كانت أيضاً تهديداً للدولة الموازية التي كان «حزب الله» يبنيها. انسحبت إسرائيل في نهاية المطاف، لكن «حزب الله» لم ينزع سلاحه.
وفي عام 2005، قُتل الحريري بسيارة مفخخة على الطريق البحرية في بيروت. اتهم كثيرون سوريا. وأدانت محكمة مدعومة من الأمم المتحدة أحد عناصر «حزب الله». وألقى «حزب الله» باللوم على إسرائيل. وفي عام 2022، وبعد استئناف، أُدين عنصران آخران من الحزب في القضية. بعد الاغتيال، مرّ لبنان بلحظة فارقة. فقد دفعت «ثورة الأرز» - التي ملأت الشوارع بالمتظاهرين - إلى خروج القوات السورية التي بقيت في البلاد لعقود.
لكنّ السياسيين اختاروا التكيف. وبحلول مايو 2008، وجَّه «حزب الله» سلاحه نحو بيروت. تحركت الحكومة ضده، وأعلن الجيش الحياد، وسيطر الحزب على غرب بيروت خلال أيام قليلة. الدولة بُنيت لتراقب. وخلال ما يزيد قليلاً على 15 عاماً، انتقل حزب الله من التمثيل النيابي إلى المشاركة في الحكومة، ثم إلى امتلاك حق النقض.
اليوم عادت إسرائيل لاحتلال جزء من لبنان وإنشاء منطقة أمنية جديدة جنوب نهر الليطاني. الحجة نفسها من عام 1996 - أن الاحتلال يمنح «حزب الله» سبباً للبقاء مسلحاً - تُطرح مجدداً، لكن على نطاق أكبر بكثير ومع دمار أعظم. والمفارقة أعمق: حتى لو أردت، كما يريد كثير من اللبنانيين، نزع سلاح «حزب الله»، فلا يمكن لإسرائيل أن تكون الوسيلة لذلك. فاحتلالها واعتداءها على الأراضي اللبنانية هما بالضبط ما سيستخدمه الحزب، أو أي كيان ينشأ من أنقاضه، لتبرير إعادة التسلح. تنفي إسرائيل أي مطامع إقليمية في لبنان. ومع ذلك، لم يعد من السهل تجاهل الخطاب التوراتي والتوسعي باعتباره مجرد أفكار هامشية.
ففي مقابلة مع «تاكر كارلسون» الشهر الماضي، صرّح «مايك هاكابي»، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، بأنه «لا بأس» لو «استولت إسرائيل على كل شيء»، وهو تصريح أوضحت السفارة لاحقاً أنه أُخرج من سياقه. ومهما كان قصده، فإن هذا النوع من الكلام لا يُطمئن دولة صغيرة تُشاهد جيشاً يواصل غزوها. فبمجرد دخول جيش ما، كما تعلم لبنان، لا يُمكن التنبؤ بموعد خروجه. لقد تابعتُ مقاطع فيديو قادمة من لبنان، معظمها من مناطق خاضعة لسيطرة «حزب الله»، لأشخاص غاضبين من الجماعة، يتساءلون عن سبب تقديم أطفالهم وقراهم كضحايا مرة أخرى. إنهم غاضبون من قصف إسرائيل ورفضها الانسحاب، وغاضبون من معاملتهم كأدوات يمكن التضحية بها.
أريد رحيل حزب الله. لطالما تمنيتُ ذلك، كلبنانية شهدت ما فعله، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالبلد الذي أنتمي إليه والذي أنوي العودة إليه. ومع ذلك، لا يمكنني اعتبار حرب دولة معادية على أرض لبنان علاجاً لسيادتنا المفقودة. لا يمكنني الخلط بين الرغبة في تحقيق نتيجة وبين دعم من يحققها. لا يمكنني تسمية هذا تحريراً عندما يكون المحرر هو نفسه المحتل.
*صحفية وكاتبة تقيم في كامبريدج، ماساتشوستس.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
إقرأ المزيد


