جريدة الإتحاد - 3/23/2026 11:03:09 PM - GMT (+4 )
شغلتنا الأحداث الجارية عن متابعة الكثير من مبادرات الخير ذات الطابع الإنساني النبيل، والتي تعكس روح الإمارات ومعدن شعبها الأصيل، وتؤكد نهجنا الثابت لفعل الخير ورفض الانجرار لمزالق وصراعات لا يتحقق من ورائها إلا الخراب والضرر للجميع. من بين أهم المبادرات التي برزت سريعاً، حملة «نقدِّر النعمة»، حيث أعلنت المبادرة الوطنية للحدّ من فَقْد وهدر الغذاء «نعمة» عن توسُّع للحملة خلال شهر رمضان الذي ودّعنا قبل أيام، في خطوة تعزّز قيم التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع، وقد نجحت هذا العام في إنقاذ أكثر من 300 ألف طن من الغذاء، محقّقة زيادة بنسبة 50% في الفائض المسترد، مقارنةً بالعام الماضي.
وفقاً للقائمين على المبادرة، فإنها تعمل على رفع مستوى الوعي العام، والحدّ من فَقْد وهَدْر الغذاء في الدولة، بما ينسجم مع جهود تحقيق الأهداف الوطنية ضمن استراتيجية الأمن الغذائي لدولة الإمارات 2051، ويدعم التزام الإمارات بخفض فقد وهدر الغذاء للنصف بحلول عام 2030. مبادرة «نقدّر النعمة» مستمرة طوال العام، لكنها تتوسّع خلال شهر رمضان، بما يتيح الوصول إلى المزيد من الفئات المستهدفة، حيث تتعاون مع مؤسسات تعمل على تطوير حلول مبتكرة ومدعومة بتطبيقات التكنولوجيا لتعزيز استدامة الموارد، مما يعكس التزاماً عميقاً بتعزيز المسؤولية الاجتماعية وحماية البيئة، وتحقيق أهداف دولة الإمارات في تقليص هدر الغذاء بشكل كبير. تبرز أهمية هذه المبادرة من خلال الأرقام المرعبة لانتشار الجوع حول العالم. ووفقاً للتقارير الدولية الرسمية يتفاقم الجوع عالمياً، إذ تدفع النزاعات وتغيُّر المناخ والضائقة الاقتصادية مئات الملايين إلى انعدام الأمن الغذائي، فيما تتراجع الدول المانحة عن تمويل برامج الإغاثة.
وليس خافياً أن الجوع يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الجيوسياسي، فانعدام الأمن الغذائي يُشعل الصراع على الموارد الشحيحة، ويجعل العنف خياراً أكثر جذباً، وفرصة تستخدمها الجماعات المتطرفة بخُبث كأداة لتجنيد الجوعى وسلاح للتأثير على المعوزين. واللافت أن «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة (فاو) و«برنامج الأمم المتحدة للبيئة» يقدّران أنه لو جرى الحدّ من الهدر لتمكّنت دول العالم اليوم من إنتاج ما يكفي لإطعام ما يقارب 10 مليارات إنسان، أي أكثر بنحو ملياري شخص من عدد سكان الأرض الحالي.
إذن، فالجوع اليوم لا ينتج في الغالب من نقص في الغذاء، ومع ذلك فإنه بحسب «تقرير حال الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2025» الصادر عن «فاو»، هناك 720 مليون شخص يعانون انعداماً مزمناً في الأمن الغذائي، وهناك 43 مليون طفل يعانون الهزال، (أشد أشكال سوء التغذية حدة)، و152 مليوناً من توقُّف النمو، وهو أثر لنقص التغذية وموجات العدوى المتكررة، الأمر الذي يقلّص قدراتهم الإدراكية والجسدية خلال مرحلة البلوغ. وكذلك كشف «تقرير الآفاق العالمية 2025»، الصادر عن «برنامج الأغذية العالمي»، عن أن 319 مليون شخص يواجهون جوعاً حاداً، بزيادة تتجاوز 130 في المئة، مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2020.
إن مبادرة «نقدر النعمة» جزء من رؤية استراتيجية طويلة الأمد تستهدف معالجة قضية هدر الغذاء بشكل شامل، وتواكب مستهدفات الإمارات للطعام ورؤيتها في تحقيق الريادة والاستدامة في مجال إدارة فائض الطعام وجمعه وإيصاله بأعلى جَودة للمستحقين أينما كانوا، وفي أي وقت، في انعكاسٍ لبوادر الخير التي تنتهجها بلادنا منذ قيام دولة الاتحاد.
ولا أذيع سراً، أنني تشرفتُ بدخول قصور العديد من كبار الشخصيات والمسؤولين ووجهاء الوطن ورموز القبائل، ورأيت بعيني سلوكهم الراقي وحرصهم على إطعام الطعام، وحرصت على مراقبة الموقف أكثر من مرة، حيث كانت المائدة عامرة بما لذّ وطاب وبكميات وفيرة، وكان دائماً ما يشغلني البحث عن إجابة السؤال أين تذهب الكميات الفائضة من الطعام؟ خاصة أنني على يقين كامل أن قادتنا - مع كرمهم المعهود - يرفضون التبذير والإهدار، وعندما تيقّنتُ من الإجابة اطمأنت نفسي ورأيت من الواجب إشراككم معي لعلنا نتعلم الدرس، فقد تعهّدت المؤسسات الخيرية، بالتنسيق مع المسؤولين في المطابخ، على استلام الطعام بشكل دوري وإعادة توظيفه وتوزيعه على المحتاجين بعد حفظه وإعادة تجهيزه ليكون صالحاً للتناول.
إننا ننتهز الفرصة لدعوة الجميع من أجل التعاون مع المبادرة النبيلة، ونذكّر بأن ممارساتنا الفردية لها تبعات عالمية، ومعاً يمكننا أن نرسّخ مفاهيم حفظ مواردنا وحماية مستقبلنا الغذائي، وتمهيد الطريق، عبر اقتصاد دائري مزدهر، لبناء مستقبل أكثر استدامة وأمناً غذائياً للجميع.
إقرأ المزيد


