الإمارات.. دولة قوية ومجتمع متلاحم
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في ظل مرحلة إقليمية تتسارع فيها التحولات وتتصاعد خلالها حدة التوترات، شكّلت مواجهة دولة الإمارات العربية المتحدة للاعتداءات الإيرانية اختباراً حقيقياً كشف عن متانة الدولة ورسوخ مؤسساتها، وعن قوة تماسك مجتمعها وصلابته. وفي هذا الإطار، برزت مواقف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بوصفها تعبيراً واضحاً عن نهج قيادي يجمع بين قوة القرار وحكمة التقدير، ويوازن بين الحزم السياسي والبعد الإنساني العميق.وقد جاء تأكيد سموه بأن «الإمارات جميلة وقدوة، لكن لا تغشكم، فالإمارات جلدها غليظ ولحمتها مرّة»، ليحمل دلالة واضحة على أن نموذج الانفتاح الذي تتبناه الدولة يستند في جوهره إلى قوة راسخة. ولم يكن ذلك الخطاب معزولاً عن الفعل، بل تعزّز من خلال زيارة سموه للمصابين، في تجسيد عملي لقيادة رشيدة تضع الإنسان في صدارة أولوياتها. وهذه الثنائية -قوة تحمي، وحضور إنساني فاعل- لم تبقَ في إطار الخطاب السياسي، بل انعكست بوضوح في سلوك المجتمع، الذي تعامل مع التطورات بكل وعي واتزان، في مؤشر يعكس صلابة الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات.
وقد تجلّت صلابة المجتمع في جملة من المؤشرات الدالة، من أبرزها عودة بعض الرحلات التي خُصصت لإجلاء رعايا دول أخرى بمقاعد شبه فارغة، في إشارة واضحة إلى مستوى الثقة، الذي يتمتع به المقيمون في استقرار الأوضاع داخل الدولة. وفي موازاة ذلك، استمرت وتيرة الحياة اليومية دون اضطراب يُذكر؛ في مشهد يعكس غياب القلق ويؤكد حالة من الاطمئنان العام.
ولا يمكن فهم هذا التماسك بمعزل عن النموذج الإماراتي القائم على التنوع والتسامح. فالإمارات، التي تحتضن أكثر من 200 جنسية، أثبتت أن التنوع ليس عامل هشاشة، بل مصدر قوة. وخلافاً للسرديات التي تربط الاستقرار بالتجانس، أظهرت التجربة أن المجتمعات الأكثر تنوعاً يمكن أن تكون الأكثر صلابة، وبهذا المعنى، يظهر التنوع كخيار استراتيجي يعزّز مناعة المجتمع ويعمّق قدرته على التكيف مع المتغيرات، وهكذا، تقدم الإمارات نموذجاً للاستقرار، يقوم على إدارة التنوع وتحويله إلى ركيزة استراتيجية تعزز قوة الدولة والمجتمع.
ولا تقتصر دلالات هذا النموذج المتميز على الداخل الإماراتي فحسب، بل تمتد لتقدم مثالاً يُحتذى في كيفية إدارة الأزمات في بيئة إقليمية معقدة. فقد نجحت الإمارات في تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على أمنها واستقرارها، وبين استمرار انفتاحها الاقتصادي ودورها كمركز عالمي للأعمال. ويعكس ذلك قدرة عالية على إدارة المخاطر دون تعطيل مسار التنمية، وهو ما يعزّز من مكانة الإمارات كأحد أكثر النماذج استقراراً وموثوقية في المنطقة.
ولعله من الضروري التأكيد في هذا السياق على أن التعامل مع هذه الظروف قد جسّد منهجاً حكومياً قائماً على الاستباق وإدارة المخاطر بشكل فاعل. فقد تم احتواء الأزمة ضمن منظومة متكاملة، تجمع بين الجاهزية، وسرعة اتخاذ القرار، وكفاءة التنسيق بين الجهات المعنية، ولم يقتصر هذا النهج على احتواء التداعيات فحسب، بل امتد ليحافظ على إيقاع الحياة العامة دون اضطراب، بما يعكس نموذجاً متقدماً في إدارة الأزمات يركّز على تقليل التأثير قبل وقوعه، وتعزيز الثقة أثناءه، وعلى نحو يجعل المجتمع جزءاً أصيلاً من منظومة الاستجابة.
وفي موازاة ذلك، لعبت وسائل الإعلام دوراً محورياً في إبراز قوة الدولة المؤسسية وصلابة المجتمع، من خلال تقديم معلومات دقيقة وموثوقة بالتنسيق مع المتحدثين الرسميين. وقد أسهم هذا النهج في الحد من الشائعات، وتعزيز مستوى الثقة بين القيادة والمجتمع، وتقديم سرد واضح للأحداث، بما مكّن الأفراد من التفاعل معها بوعي واتزان، وتجسيد مفهوم الإعلام كشريك فعّال في منظومة الاستقرار وإدارة الأزمات.
لقد برهنت دولة الإمارات في تعاملها مع هذه الأحداث على قدرتها الكبيرة بشأن تقديم نموذج متكامل يجمع بين قوة الدولة وتماسك المجتمع، ويحوّل التنوع الثقافي والاجتماعي إلى مصدر قوة حقيقي، ويجعل الاستقرار مسؤولية مشتركة يتحملها الجميع. وما كشفت عنه هذه الأحداث يؤكد أن هذا النموذج ليس مجرد إطار مؤسسي، بل هو ركيزة راسخة في مواجهة مختلف التحولات والأزمات المستقبلية.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 



إقرأ المزيد