«التعليم عن بُعد» يبرهن على جاهزية متقدمة
‎دار الخليــــج -

تحقيق:علياء الشامسي

مع عودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة عقب فترة انقطاع فرضتها تطورات المشهد الإقليمي، برهنت دولة الإمارات مجدداً على جاهزيتها الاستثنائية في إدارة منظومة تعليمية متكاملة بكفاءة واقتدار، مستندة إلى بنية رقمية متقدمة ومنصات ذكية ضمنت استمرارية التعلم بسلاسة وفي مختلف الظروف، ولم يقتصر هذا الأداء على الحفاظ على استقرار العملية التعليمية، بل رسّخ موقع الدولة كنموذج عالمي متقدم في توظيف التكنولوجيا لخدمة التعليم وتعزيز مرونته.
لم يكن هذا بجديد على دولة الإمارات التي استطاعت خلال أزمة «كوفيد-19» أن تتجاوز تحديات التحول المفاجئ للتعليم عن بُعد بكفاءة عالية، بفضل جاهزيتها الرقمية واستثمارها المبكر في الحلول الذكية، ما مكّنها من ضمان استمرارية التعليم دون أي انقطاع يُذكر.


قوة البنية التقنية 


يعكس هذا النجاح قوة البنية التحتية التقنية المتطورة التي تشمل شبكات اتصال عالية السرعة، ومنصات تعليمية ذكية متكاملة، وأنظمة إدارة تعلم رقمية متقدمة.
غير أن هذا التفوق التقني، على أهميته، وفي ظل الظروف الاستثنائية، كشف في الوقت ذاته عن تحديات داخل بعض الأسر، حيث وجدت بعض الأمهات أنفسهن أمام معادلة تجمع بين متابعة تعليم الأبـــناء وإدارة شؤون المنزل، فضلاً عن متطلبات العمل.
أيضاً وبرغم أن هذا النمط أتاح فرصاً أكبر للتقارب الأسري والاطلاع المباشر على المستوى الدراسي للأبناء، خصوصاً في المراحل الدراسية الأولى، إلا أنه ألقى بظلاله على حجم المسؤوليات اليومية، مع ما يصاحب ذلك من تحديات تتعلق بتركيز الأطفال وتفاعلــــهم مع بيئة التعلم الافتراضي.
وفي ظل هذا التباين، تتشكل صورة واقعية لتجربة لا يمكن وصفها بالإيجابية المطلقة أو السلبية الكاملة، بل كمرحلة استثنائية أعادت تعريف أدوار الأسرة في العملية التعليمية.


تحديات الأمهات


شارك عدد من الأمهات تجاربهن مع التعليم عن بعد، وبرغم ما يحمله من إيجابيات لكنه لا يخلو من تحديات يومية، خاصةً فيما يتعلق بمتابعة الأبناء والحفاظ على تركيزهم خلال الحصص الدراسية.
وقالت فاطمة الشامسي: إنه برغم ما تفرضه هذه التجرية من صعوبات في التوفيق بين العمل ومتابعة الأبناء، إلا أنها كشفت عن جوانب إيجابية مهمة، من بينها قضاء وقت أطول مع الأسرة، والاطلاع بشكل أعمق على المستوى الدراسي لابنتها. وأوضحت أن بعض التحديات التي واجهتها تمثلت في صعوبة إقناع طفلتها بالالتزام والتركيز خلال الحصص، خاصة في المراحل الأولى، قبل أن تتمكن تدريجياً من تجاوز ذلك من خلال وضع روتين يومي منظم، وتهيئة بيئة دراسية مناسبة، إلى جانب اعتماد أساليب التشجيع والتحفيز، ما أسهم تدريجياً في تعزيز تفاعل ابنتها وتحسين أدائها.


متابعة مستمرة


من جانبها، أكَّدت أم خلفان أن التعليم عن بعد تجرية مفيدة من حيث ضمان استمرارية العملية التعليمية، إلا أنها شكلت عبئاً إضافياً على أولياء الأمور، نتيجة الحاجة إلى متابعة الأبناء بشكل يومي ومكثف. وأشارت إلى أن التحديات برزت بشكل أكبر مع زيادة عدد الحصص والواجبات اليومية، إلى جانب صعوبة تركيز الأطفال لفترات طويلة أمام الشاشات مع مستوى تركيز مستقر، مطالبة بإعادة النظر في حجم الأعباء الدراسية، وتقديم حصص أكثر تفاعلاً، إضافة إلى تزويد الأسر بإرشادات واضحة تساعدهم في متابعة أبنائهم بكفاءة أكبر.
فيما رأت أم عبدالله، أن هذه التجربة جمعت بين جوانب إيجابية وأخرى سلبية، موضحة أن أبناءها في المرحلة المتوسطة يحتاجون إلى متابعة مستمرة، في ظل تراجع مستوى التركيز خلال الحصص.
وأشارت إلى أن من أبرز الملاحظات اعتماد الطلبة بشكل كبير على التقنيات الحديثة، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي قد يؤثر على دقة تقييم مستوياتهم الحقيقية، ولفتت إلى بعض الجوانب الإيجابية، مثل تقليص ساعات اليوم الدراسي، وإتاحة نماذج أكثر مرونة للاختبارات والتي قد تكون مفيدة حتى في التعليم الحضوري.


شاشة المعلم


في الجانب الآخر من شاشة التعليم، عرض بعض المعلمين تجربتهم، متحدثين عن التحديات التي تواجههم، ومدى تفاعل الطلبة مع الحصص الدراسية.
وأوضحت المعلمة رولا محمد، التي تدرس المرحلة الثانوية، أن التعليم عن بعد يفرض ضغوطاً إضافية على المعلم، في ظل الحرص على تحقيق نواتج التعلم وضمان تفاعل الطلبة خلال الحصص، وأن هذه التحديات تمتد لتشمل الطلبة وأولياء الأمور، خاصة في ما يتعلق بمتابعة الدراسة وتنظيم الوقت داخل المنزل. وبيَّنت أن المعلمين يعملون على التخفيف من هذه الضغوط عبر تبسيط شرح الدروس، والتركيز على المفاهيم الأساسية، إلى جانب توفير مواد تعليمية مساندة، مثل تسجيل الحصص، بما يتيح للطلبة الرجوع إليها في أي وقت، مع مراعاة الفروق الفردية ومنحهم الوقت الكافي لإنجاز المهام.
وفيما يتعلق بالواجبات، أشارت إلى أن التعامل معها مختلف، حيث يتم الاهتمام على نوعيتها بدلاً من كثرتها، وتقديم مهام قصيرة وواضحة تعتمد على التفاعل والتطبيق، مع توزيعها بشكل متوازن لتجنب الضغط على الطلبة وأسرهم. وأضافت أن المعلمين يحرصون على التعامل بجدية مع ملاحظات أولياء الأمور، خاصة المتعلقة بكثافة الواجبات أو صعوبة المتابعة.


تقليل الواجبات


في السياق ذاته، أكد المعلم فؤاد محمد، الذي يدرس المرحلة الابتدائية، أن تقليل الواجبات لا يؤثر في مستوى التعلّم إذا ما صُممت بشكل مدروس، موضحاً أن الهدف منها هو ترسيخ المفاهيم الأساسية، وليس تحميل الطلبة أعباء إضافية.
وأشار إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه الأسر صعوبة التعامل مع المنصات التعليمية، إلى جانب الضغوط الحياتية التي قد تحدّ من قدرتهم على متابعة أبنائهم بشكل مستمر، ما يزيد من حجم المسؤولية عليهم. 

دعم الأمهات

أوضحت داليا نصير، أخصائية تربية خاصة، أن التعليم عن بعد أصبح واقعاً تعيشه مختلف المراحل التعليمية، ما أضاف أعباءً وتحديات جديدة على الأمهات، خاصة في المراحل الدراسية الأولى التي تتطلب مهارات خاصة لجذب انتباه الأطفال وتعزيز تركيزهم ومساعدتهم على الاستمرار في تلقي المعلومات.
وبينت أن حجم المعاناة يتضاعف في حال وجود أكثر من طفل داخل الأسرة يدرسون في الوقت ذاته، بمناهج مختلفة، ويحتاجون إلى متابعة مستمرة، لافتة إلى أن التحديات تزداد في حال كانت الأم عاملة أو تواجه صعوبات تقنية في التعامل مع الأجهزة والمنصات التعليمية.
وأشارت إلى أن متابعة الواجبات بعد اليوم الدراسي تمثل عبئاً إضافياً على الأسرة، ما يستدعي البحث عن حلول عملية تسهم في التخفيف من هذا الضغط، من بينها تقليل كثافة المناهج، وتعزيز مهارات التعلم الذاتي والتعاوني لدى الطلبة.
وأكدت أهمية طرح أنشطة منزلية تشجع التعلم التشاركي بين الإخوة، خاصة المتقاربين في العمر، إلى جانب تنظيم دورات توعوية وتدريبية للأمهات، تساعدهن على إدارة الوقت والتعامل مع سلوكيات الأطفال الناتجة عن التعلم في المنزل.
كما شددت على ضرورة تقديم دعم تقني للأمهات، من خلال إرشادهن إلى كيفية استخدام الأجهزة والمنصات التعليمية، والتعامل مع المشكلات التقنية البسيطة التي قد تعيق سير العملية التعليمية.



إقرأ المزيد