آباء وأزواج يتجهون إلى القضاء لاسترداد «هبات» قوبلت بالجحود
‎الإمارات اليوم -

تحوّلت الهبة في بعض الأسر من صورة للعطاء إلى سبب لنزاع قانوني معقّد، يصل إلى أروقة المحاكم، حيث يقف الأب أو الأم أو الزوج في مواجهة أعزائهم، مطالبين باسترداد ما منحوه لهم بدافع من الحب أو أمل الاستقرار أو الحفاظ على كيان الأسرة.

قضايا متعددة نظرتها المحاكم، خلال الفترة الماضية، كشفت عن هذا الوجه الصادم، من بينها حالة لأم أهدت فيلا لابنها فقوبلت بالإساءة، وأب طالب باسترداد أسهم وهبها لأبنائه بعد تبدل أحواله المادية، وزوج لجأ إلى اليمين الحاسمة لاسترداد هبة منحها لزوجته السابقة لحماية العلاقة الزوجية.

ويؤكد خبراء قانونيون أن الأصل في الهبة هو اللزوم بعد تمامها، وأن الرجوع فيها يظل استثناءً ضيقاً لا يُقبل إلا بشروط محددة، مثل ثبوت الجحود أو الإخلال الجسيم بالواجبات، أو وجود شرط صريح يجيز الرجوع، مع انتفاء موانع قانونية، كالتصرف في المال الموهوب أو استقرار ملكيته.

ويشيرون إلى أن مجرد الخلافات الأسرية أو الشعور بالندم لا يكفيان، بل يجب أن يرتقي الأمر إلى مستوى قانوني قابل للإثبات، يخضع لتقدير المحكمة.

وتفصيلاً، نظرت محاكم الدولة قضايا طالب فيها آباء وأمهات وأزواج باسترداد هبات منحوها للطرف الآخر، من بينها قضية لأمٍّ وقفت أمام القضاء تطلب استرداد ما منحته لابنها، ليس لسبب مالي، بل بسبب ما وصفته بـ«الجحود».

وكانت الأم قد وهبت فيلا لاثنين من أبنائها مناصفة، في خطوة بدت طبيعية بدافع تمكينهما من الاستقرار وبناء حياتهما، وانتقلت الملكية رسمياً وفق الإجراءات القانونية، لتخرج الفيلا من ذمة الأم وتدخل في ملكية ابنيها، لكن العلاقة لم تسر كما توقعت، فبحسب أوراق الدعوى تورط أحد الابنين في قضايا جنائية تتعلق بتعاطي المخدرات، وتحوّل سلوكه داخل المنزل إلى مصدر تهديد مباشر لوالديه، إذ وجّه لهما ألفاظاً مهينة، وهددهما بالطرد من المنزل الذي كان في الأصل ملكاً لهما.

وتصاعدت الأزمة إلى حد أن الشقيق الآخر، الذي كان شريكاً في الهبة، تنازل عن حصته لوالده، في محاولة لحماية الأسرة ومنع تفاقم النزاع.

وأمام هذا المشهد، لم تجد الأم سبيلاً سوى اللجوء إلى القضاء، مطالبة بالرجوع في الهبة، مستندة إلى ما اعتبرته إخلالاً جسيماً بواجبات الابن تجاهها.

لكن المفارقة أن القضية لم تنتهِ بحكم، بل بقرار من الأم نفسها، إذ اختارت التنازل عن الدعوى بعدما تغلبت عليها مشاعر الأمومة.

وفي قضية أخرى، لم يكن الجحود هو السبب الوحيد، بل إن النزاع حدث كذلك نتيجة غياب الثقة، وبطلها زوج أفاد بأنه يعاني ظروفاً صحية تضطره إلى السفر المتكرر خارج الدولة، فقرر تفويض زوجته الثانية بشراء عدد من العقارات من أمواله الخاصة، وأن تتولى إدارة شؤونه في غيابه.

وبحسب الدعوى، اشترت الزوجة خمسة عقارات، لكنها سجلتها باسمها، وليس باسم الزوج حسب اتفاقهما، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أقدمت لاحقاً على وهب جزء من تلك العقارات لابنتها، من دون علمه أو موافقته.

ولجأ الرجل إلى القضاء، متمسكاً بأن ما حدث يمثل غشاً وخداعاً واستغلالاً للثقة، خصوصاً أن تقرير الخبرة أشار إلى أن الأموال المستخدمة في الشراء تعود إليه.

لكن المحكمة نظرت إلى زاوية مختلفة تماماً، فالعقارات مسجلة رسمياً باسم الزوجة، وهو ما يمنحها ملكية كاملة وفق القانون، وبالتالي حق التصرف فيها، بما في ذلك الهبة للغير، وانتهت المحكمة إلى أن المدعي لا يملك الصفة القانونية للطعن على تصرف صادر من مالك مسجل، وقضت بعدم قبول الدعوى.

وفي قضية ثالثة اتخذت الهبة شكلاً مختلفاً، إذ لم تكن بدافع التبرع الخالص، بل في إطار محاولة لإنقاذ علاقة زوجية على وشك الانهيار.

وواجه الزوج، بحسب ما ورد في الدعوى، ضغوطاً من زوجته التي هددت بترك المنزل وطلب الطلاق، ما دفعه إلى التنازل لها عن نصف منزله، في محاولة للحفاظ على استقرار الأسرة وأطفاله، لكن هذه المحاولة لم تنجح، إذ غادرت الزوجة المنزل، وأقامت دعوى طلاق، وحصلت على حكم قضائي، إلى جانب حقوق مالية أخرى.

وأمام هذا الواقع لجأ الزوج إلى القضاء مطالباً بالرجوع في الهبة، مؤكداً أنها لم تكن تبرعاً حراً، بل جاءت تحت ضغط نفسي، وبشرط ضمني هو استمرار الحياة الزوجية، ولم تُحسم القضية بسهولة، إذ رفضتها محكمة أول درجة، قبل أن تُلغى في «الاستئناف»، بعدما أدى الزوج «اليمين الحاسمة»، مؤكداً أن الهبة لم تكن تبرعاً خالصاً، وبناءً على ذلك قضت المحكمة برجوعه عن الهبة، استناداً إلى اليمين التي أداها بناء على صيغة حددتها الزوجة بنفسها.

وفي قضية رابعة، نظرتها محاكم دبي، طالب رجل عربي باسترداد فيلا كان قد وهبها لزوجته الثانية وابنتيهما قبل نحو 15 عاماً، مبرراً ذلك بأنه كان تحت ضغط نفسي، وأن الهبة أخلّت بمبدأ المساواة بين أبنائه، لكن المحكمة لم تأخذ بهذه الدفوع، وأكدت أن الهبة تم تسجيلها رسمياً، وانتقلت الملكية بشكل كامل، واستقرت المراكز القانونية الناتجة عنها.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قامت الزوجة لاحقاً ببيع العقار للغير، ما أضاف مانعاً قانونياً جديداً يحول دون الرجوع عنها.

وانتهت المحكمة إلى رفض الدعوى، في تأكيد واضح على أن مرور الزمن، واستقرار الملكية، والتصرف في المال، كلها عوامل تغلق باب الرجوع نهائياً.

وفي قضية أخرى، نجح رجل في استرداد أسهم كان قد وهبها لأبنائه قبل نحو 23 عاماً، بعد أن تغيّرت ظروفه المالية، وأصبح في حاجة إلى إعادة ترتيب أوضاعه، وأوضح الرجل أنه سجل الأسهم باسم أبنائه وهم صغار، قبل أن تتبدل ظروفه لاحقاً، ويتزوج مرة أخرى، ويُرزق بأبناء جدد، ويواجه التزامات مالية متزايدة، وقد فرّقت المحكمة بين الأطراف، فقضت بإمكانية استرداد الهبة من الأبناء، باعتبار أن القانون يجيز ذلك في حالات معينة، لكنها رفضت الطلب بالنسبة للزوجة السابقة، لوجود مانع قانوني يتمثل في قيام علاقة زوجية وقت الهبة.

إلى ذلك، قال المحامي والمستشار القانوني، الدكتور عبدالله آل ناصر، إن مسألة رجوع الأبوين عن الهبة تخضع حتى تاريخ 31 مايو 2026 لأحكام قانون المعاملات المدنية الاتحادي رقم (5) لسنة 1985 وتعديلاته، الذي يجيز الرجوع في الهبة إذا أخلّ الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب أو أحد أقاربه إخلالاً يبلغ حد الجحود، كما نص صراحة على جواز استرداد الأب ما وهبه لابنه، وكذلك الأم، وفق ضوابط قانونية محددة، وأضاف أن قانون المعاملات المدنية الصادر عام 2025 أعاد التأكيد على ذات النهج التشريعي، على أن يبدأ العمل به اعتباراً من الأول من يونيو 2026، بما يعكس استقرار التوجه القانوني في هذا الشأن.

وأكد أن العبرة في مثل هذه الدعاوى لا تكون بمجرد تدهور العلاقة الأسرية، وإنما بثبوت جحود ذي أثر قانوني، مع بقاء المال الموهوب على حالة تسمح برده.

وقال إن الرأي القانوني المستقر يُجيز للأب أو الأم طلب رد الهبة من الابن، متى ثبت الجحود قانوناً، وانتفت موانع الرجوع، لافتاً إلى أن نكران الابن لوالديه، إذا تجسّد في الامتناع عن النفقة الواجبة أو الإخلال الجسيم بواجباته نحوهما لا يُعد مجرد مسألة أخلاقية، بل قد يُرتِّب أثراً قانونياً مباشراً يبرر استرداد الهبة، وذلك وفق تقدير المحكمة لظروف كل حالة على حدة.

بدوره، قال المحامي والمستشار القانوني، عمر العوضي، إن رجوع الآباء والأمهات عن الهبات المقدمة لأبنائهم، بسبب «جحود الأبناء»، يثير إشكاليات قانونية دقيقة، ينظمها قانون المعاملات المدنية الإماراتي رقم (5) لسنة 1985 وتعديلاته، الذي وضع إطاراً واضحاً يحكم هذا النوع من التصرفات.

وأوضح أن الهبة تُعد عقد تبرع ينعقد بالإيجاب والقبول، ويتم بالقبض، وتصبح لازمة بعد تمامها، فلا يجوز الرجوع فيها كأصل عام، وذلك تحقيقاً لاستقرار المعاملات، وصون الحقوق وحماية الملكية.

وأشار إلى أن المشرّع أجاز الرجوع في الهبة على سبيل الاستثناء، إذ تنص المادة (619) على أنه «يجوز للواهب أن يرجع في الهبة إذا قبل الموهوب له ذلك، أو أذن القاضي به لعذر مقبول»، وهو ما يعني أن الرجوع يخضع لرقابة القضاء، ولا يتم إلا في نطاق ضيق، ولأسباب جدية.

وأضاف أن المادة (620) من القانون ذاته حدّدت موانع الرجوع في الهبة، ومن بينها: تصرف الموهوب له في المال الموهوب تصرفاً نهائياً، أو هلاك محل الهبة، أو حدوث زيادة متصلة فيه، أو إذا كانت الهبة صدقة أو لوجه من وجوه البر، أو كانت بعوض، وهي موانع تهدف إلى حماية استقرار المراكز القانونية ومنع اضطراب الملكية.

وأكد العوضي أن الفقه والقضاء في الدولة استقرا على جواز رجوع الأصول في هباتهم للفروع (كالأب أو الأم) متى توافر عذر مقبول، مثل الجحود أو الإساءة الجسيمة أو الإخلال الجوهري بالواجبات، بشرط عدم وجود مانع قانوني، مع التأكيد على أن تقدير هذا العذر يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة.

وأفاد أن المحاكم تتجه إلى التفسير الضيق لدعاوى الرجوع في الهبة، باعتبار أن الأصل هو لزوم الهبة بعد القبض، وأن الاستثناء لا يتم التوسع فيه، ما يوجب على المدعي تقديم أدلة واضحة ومقنعة على مبررات الرجوع.

ولفت إلى أن محكمة الأحوال الشخصية تُصدر ما يُعرف بـ«إشهاد رجوع عن الهبة»، في حين لا يوجد نص قانوني يُلزم الواهب بإعلان الموهوب له بالهبة، كما لا يوجد نص صريح يُوجب الإعلان عن الرجوع فيها.

ونصح العوضي بتوثيق عقود الهبة بشكل قانوني دقيق، مع بيان ما إذا كانت مشروطة أو غير مشروطة، لما لذلك من أثر حاسم في النزاعات المستقبلية، إلى جانب الاحتفاظ بما يثبت واقعة القبض بشكل رسمي.

واختتم بالتأكيد على أهمية اللجوء إلى الحلول الودية أو الوساطة قبل التصعيد القضائي، خصوصاً أن دعاوى الرجوع في الهبة تخضع لتقدير قضائي دقيق، وتُنظر في نطاق استثنائي، بما يحقق التوازن بين استقرار المعاملات، وتحقيق العدالة في كل حالة على حدة.

بدوره، أشار المحكم والمستشار القانوني محمد نجيب إلى أن القانون يجيز للواهب استرداد المال الموهوب إذا اشترط ذلك في عقد الهبة، أو في حال إخلال الموهوب له بالتزاماته تجاه الواهب أو من يهمه أمره.

وأوضح أنه في حال هلاك المال الموهوب أو تصرف الموهوب له فيه، يكون للواهب الحق في المطالبة بقيمته وقت التصرف أو الهلاك، وهو ما يعكس حرص المشرع على تحقيق التوازن بين حماية الملكية وحقوق الواهب.

وأوضح أن كثيراً من القضايا ذات الصلة تبين أن الهبة، رغم كونها عملاً إنسانياً قائماً على العطاء، إلا أنها قد تتحول إلى نزاع قانوني حين تتغير العلاقات أو تتبدل الظروف.

الجحود

أكد المحامي والمستشار القانوني، الدكتور عبدالله آل ناصر، أن مفهوم «الجحود» في التطبيق العملي لا يقتصر على البُعد الأخلاقي أو الأدبي، بل يكتسب وصفاً قانونياً متى اقترن بإخلال ثابت بواجبات الابن تجاه والديه، مشيراً إلى أن هذا المفهوم يكتسب قوة إضافية في ضوء ما قرره قانون الأحوال الشخصية من إلزام الولد الموسِر، ذكراً كان أو أنثى، بالإنفاق على والديه إذا لم يكن لهما مال يكفي للإنفاق.

وأفاد بأن امتناع الابن القادر عن النفقة، أو صدور إساءة جسيمة منه مقترنة بالتنكر لحقوق والديه، يُعد سنداً قانونياً قوياً يمكن الاستناد إليه للمطالبة بردّ الهبة، باعتبار أن الجحود في هذه الحالة يتجاوز الإطار الأخلاقي إلى نطاق المسؤولية القانونية.

وأشار إلى أن هذا الحق ليس مطلقاً، إذ يقيده القانون بموانع عدة، من بينها خروج المال الموهوب من ملك الابن، أو حدوث تغيير جوهري فيه، أو ترتب ضرر على الموهوب له، أو على الغير، نتيجة تصرفات قانونية مرتبطة بالهبة، أو قيام مانع قانوني معتبر يحول دون الرجوع.



إقرأ المزيد