أفغانستان والإمارات.. شراكة البناء والتنمية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

شكّل انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، في أغسطس 2021، نهايةً للوجود العسكري الأميركي هناك وبدايةً لمرحلة جديدة أعادت طرحَ سؤال الدولة والاستقرار في سياق أكثر تعقيداً، حيث لم يَعُد التحدي مرتبطاً بمَن يملأ الفراغ الأمني والسياسي فحسب، بل بكيفية منع الانهيار، والحفاظ على استمرارية عمل المؤسسات، ودعم مقومات التعافي في بلد يواجه تحدياتٍ أمنيةً واقتصاديةً وإنسانيةً متشابكة. وأثبتت التجربةُ الأفغانيةُ أن مرحلةَ ما بعد الانسحاب لم تُلغِ دورَ الفاعلين الدوليين، بل أعادت تشكيلَه. فقد استمرت الولايات المتحدة في الانخراط عبر أدوات سياسية وإنسانية، رغم إنهاء وجودها العسكري، كما استمرت الأمم المتحدة في معالجة القبول الدولي، في مشهد يمكن وصفه بالانتقال من التدخل المباشر إلى الانخراط متعدد الأطراف.
وفي هذا السياق، برزت دولةُ الإمارات بوصفها طرفاً تبنّى مقاربةً عمليةً قائمةً على دعم الاستقرار من خلال أدوات إنسانية وتنموية ودبلوماسية. فمنذ الأيام الأولى بعد الانسحاب، اضطلعت الإماراتُ بدور محوري في الاستجابة الإنسانية، سواء عبر عمليات الإجلاء، أو عبر استضافة آلاف الأفغان وتقديم الرعاية والخدمات الأساسية لهم، في خطوة عكست التزاماً يتجاوز الاستجابةَ الطارئةَ إلى الإسهام في تخفيف تداعيات الأزمة. كما برز دورُها في دعم استمرارية العمل في مطار كابول الدولي، باعتباره مرفقاً حيوياً يرتبط بحركة المساعدات، والربط الخارجي، واستمرار حركة السفر والتنقل التي تُعد أساسيةً لأي بلد.
ومع تطور المرحلة اتجه هذا الدور نحو بناء شراكات عملية تَهدف لتحقيق الاستقرار طويل المدى، لاسيما في قطاعات مثل الصحة والتعليم والخدمات، إلى جانب دعم المرافق الحيوية كالخدمات الجوية والاتصالات والطاقة، فضلاً عن المساعدات الإنسانية التي شملت إرسال جسور إغاثية ومساعدات طبية وغذائية، في مؤشر واضح على أن الدور الإماراتي لم يكن محصوراً في الاستجابة الإنسانية فقط. وهنا تكمن نقطة التكامل بين البُعدين الإنساني والتنموي في العمل الإماراتي. كما امتد الحضور الإماراتي إلى دعم استمرارية النظام وتخفيف آثار العزلة، وهي مساهمة ذات أهمية استراتيجية، نظراً لارتباطها باستمرارية الوظائف الحيوية للدولة والانفتاح على محيطها الخارجي، حيث مثّلت اللقاءات رفيعة المستوى بين المسؤولين الإماراتيين والقيادات الأفغانية، ومن بينها اللقاءات التي جمعت صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بعدد من المسؤولين الأفغان في أبوظبي، والتي أكدت دعمَ الإمارات لبناء قنوات تعاون ثنائي أكثر رسوخاً، وعزّزت التواصلَ الدبلوماسي والشراكات السياسية والاقتصادية لتجاوز التحولات المعقدة، إضافة لدعم الإعمار والاستقرار في أفغانستان، وتحقيق التنمية والازدهار للشعب الأفغاني.
 لقد أظهرت التطورات أن الفراغ لم يكون حتمياً عندما توجد شراكات مسؤولة قادرة على منع الانهيار. فالتجربة الأفغانية أثبتت أن بناء الاستقرار يمكن أن يتم عبر الشراكات الفاعلة، وهنا برزت الإمارات كنموذج لشريك لا يختزل دورَه في المساعدات الإنسانية، بل يربط بشكل متكامل بين الإغاثة، ودعم الخدمات الأساسية، والانخراط الدبلوماسي. 
ولعل ما يميّز التجربة الأفغانية، هو أن ما عجزت عنه أدوات القوة، حاولت الشراكات التنموية معالجته. فالدول لا تُقاس فقط بما تقدمه في لحظات الحرب، بل بما تنجزه على صعيد بناء الدولة وتحقيق التنمية وتعزيز الرفاهية، وهنا تحديداً تُختبر قيمة الشراكات، وتُعرف الدول التي تبني مِن تلك التي تكتفي بالمراقبة.
إن مستقبل أفغانستان لا يتوقف فقط على الترتيبات الداخلية، بل يرتبط كذلك بوجود شركاء قادرين على دعم التعافي وتعزيز الاستقرار بصورة حقيقية. فدور الإمارات لم يكن كداعم إنساني فقط، بل كشريك فاعل ومتعدد الأدوار، وهي مقاربة تعكس فهماً متقدماً للاستقرار، باعتباره أمراً لا يتحقق فقط عبر المعالجات الأمنية، بل من خلال دعم البنية الاجتماعية، والخدمات الأساسية، واستمرار الحدّ الأدنى من وظائف الدولة.


*كاتبة إماراتية



إقرأ المزيد