ولادة النموذج الاستراتيجي الخاص
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في لحظات التحوّل الكبرى، تبرز دول تصوغ مسارها من داخلها، مستندة إلى إرادة واعية بذاتها، ومتصلة بتاريخها، ومنفتحة على أفقها. تجارب كاليابان بعد الحرب، وسنغافورة في صعودها السريع، تكشف أن الرهان على الذات يفتح أبواب التفوّق ويصنع نموذجاً متفرّداً.

من هذا السياق، يتجلّى أن الدول التي تُحسن قراءة ذاتها وتحرّر قرارها، قادرة على تقديم تجربة تتجاوز محيطها وتؤثر في العالم. تؤكد النظريات السياسية الحديثة، من الواقعية إلى المدنية والويستفالية، أن القوة تنبع من الداخل قبل أن تتجلى في الخارج، وأن الاستقلالية تُمثّل جوهر السيادة الفاعلة، مدعومة باقتصاد متين وقدرة على التكيّف.

وحين تتكامل الإرادة السياسية مع الموارد والمرونة، يتشكل نموذج قادر على إنتاج القرار وصياغة المستقبل. ضمن هذا الإطار، تتبدّى الإمارات بوصفها تجربة ناضجة في بناء استقلال استراتيجي متوازن، يستند إلى رؤية واضحة وأدوات فعّالة.

تحرّرت الإمارات من أثقال المحاور الاصطفافية، وتجاوزت منطق المواقف الجاهزة التي تُفرض من خارج حساباتها الوطنية، فاتجهت نحو بناء علاقاتها على أساس المصالح المتبادلة والتقدير المتوازن للمواقف. هذا التحوّل منحها قدرة أوسع على الحركة، وجعل سياستها أكثر رشاقة وواقعية. مثال ذلك الارتقاء بالعلاقة مع جمهورية كوريا إلى مستوى «دولة شقيقة»، في تعبير يعكس فلسفة جديدة في إدارة العلاقات الدولية، قائمة على الشراكة العملية والاحترام المتبادل، بعيداً عن القوالب التقليدية الجامدة.

منذ البدايات، صاغت الإمارات نموذجاً اقتصادياً متقدّماً في بيئتها الإقليمية، حيث تبنّت التنويع الاقتصادي مبكراً، ووسّعت حضورها في الاستثمار الخارجي، ووجّهت اهتماماً استراتيجياً نحو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

هذا المسار منح اقتصادها مرونة عالية وقدرة على التكيّف مع التحولات العالمية. عبر هذا النهج، تبلورت تجربة اقتصادية تتجاوز الأنماط السائدة، وتؤسس لاقتصاد معرفي متجدد، يستمد قوته من التفرّد والانفتاح. ويمثّل قرار خروج الإمارات من «أوبك» و«أوبك بلس» تجسيداً واضحاً للسيادة الاستراتيجية في إدارة الموارد، حيث تتقدّم المصلحة الوطنية في صياغة السياسات الاقتصادية. هذا القرار يعكس ثقة راسخة بالقدرة على توجيه القطاع النفطي وفق رؤية وطنية متكاملة، ويمنح الاقتصاد المحلي مساحة أوسع للحركة والتخطيط بعيد المدى.

انعكاسات هذه الخطوة تتجلى في تعزيز المرونة الاقتصادية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار، وترسيخ مكانة الدولة كفاعل مستقل في سوق الطاقة العالمي. كما تميّزت الإمارات منذ نشأتها باستقلال واضح في السياسة والاقتصاد، وامتد هذا التفرّد إلى مجالات الفكر والثقافة، حيث تشكّلت بيئة منفتحة تستوعب الحداثة وتنتج خطاباً حضارياً متقدّماً.

مع مرور الزمن، أصبحت تجربتها مرجعاً تستلهم منه دول عديدة مساراتها التنموية. كل تجربة سارت في هذا الاتجاه حققت مستويات لافتة من التميّز. الأصوات الناقدة من المحيط الإقليمي ظلّت حاضرة، في حين استمرت الإمارات في مسارها بثقة واتزان. تُشيّد الإمارات نموذجاً يستمد روحه من تجربتها الخاصة، ويقدّم للعالم مثالاً قابلاً للإلهام دون ادّعاء الوصاية. تنطلق في مسارها من قناعة راسخة بأن القيمة تكمن في البناء والتجربة، فتُنجز نموذجاً متكاملاً، وتقدّمه بوصفه خبرة إنسانية مفتوحة، تُثري مسارات الدول وتُلهمها في صياغة رؤاها الخاصة.

*كاتب إماراتي
     



إقرأ المزيد