جريدة الإتحاد - 4/30/2026 12:17:50 AM - GMT (+4 )
في بعض الليالي، تتوقف كرة القدم عن أن تكون مجرد لعبة، إذ تتحول إلى رواية تُكتب بالعرق، وإلى سيمفونية تُعزف على إيقاع الصراخ والدهشة، وإلى جنون جميل لا يملك العاشق أمامه سوى أن يستسلم لسحره.
هذا ما حدث في ملعب حديقة الأمراء، حين التقى باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ في واحدة من أكثر ليالي دوري الأبطال اشتعالاً وجنوناً، مباراة انتهت بفوز باريس (5-4)، لكنها في الحقيقة لم تنتهِ. لأنها تركت أبواب الحكاية مفتوحة على موعد آخر في أليانز ميونيخ.
تسعة أهداف.. نعم، تسعة كاملة، لكنها لم تكن مجرد أرقام تُكتب في سجلات المباريات، بل كانت تسع ضربات برق مزّقت سماء الليل، وتسع موجات من الشغف اجتاحت القلوب، وتسع صرخات كبرى خرجت من حناجر جمهور عاش ليلة لا تشبه إلا الأحلام حين تفلت من منطقها.
كانت الحديقة منذ البداية تغلي كمرجل أسطوري، فالمدرجات ترتدي جنونها، والأهازيج ترتفع كأنها قداس جماعي لكرة القدم، فيما بدا اللاعبون وكأنهم دخلوا أرض المعركة لا أرض المباراة. تقدم البافاريون أولاً، ببرودة قاتل يعرف طريق الشباك، لكن باريس لم يكن في مزاج الانحناء، بل كان في حالة عشق متوحش للهجوم، في حالة بهجة جعلته يركض نحو المجد كمن يطارد نجمة هاربة.
هناك، بزغ نجم خفيتشا كفاراتسخيليا، كأنه شاعر جورجي يكتب أبياته بقدمه، يراوغ كما لو أنه ينسج الحرير، ويسجّل كما لو أنه يوقّع على لوحة فنية، لا على هدف عادي. وإلى جانبه، كان عثمان ديمبيلي في هيئة لاعب خرج من حدود الممكن، يلمس الكرة فتشتعل، يركض بها فتتبعثر الحسابات، ويضرب الشباك مرتين كأن بينه وبين المرمى وعداً سرياً لا يُخلف.
وحين تقدم باريس بخماسية لهدفين، بدت وكأنها ضربة قاصمة لظهر البافاري، ظن الجميع أن الحكاية انتهت، وأن العملاق الألماني لفظ أنفاسه الأخيرة، لكن مَن يعرف معدن بايرن ميونيخ، يعرف أن هذا الفريق لا يسقط بسهولة، وأنه حتى وهو جريح، ينهض ليوجّه ضربته الأخيرة. عاد، فقلّص الفارق مرة ومرتين، ليُسكن مجدداً الرعب في القلوب الباريسية، وتتحول الدقائق الأخيرة إلى عاصفة من الأعصاب المشدودة والأنفاس المحبوسة.
كانت ليلة مجنونة.. ليلة لم يكن فيها المنطق سيد الموقف، بل العاطفة ملكة اللحظة. لم تكن مباراة تُلعب بالأقدام فقط، بل بالقلوب المرتجفة، بالأحلام المعلقة، وبالجنون الذي يجعل كرة القدم أعظم اختراع للعصف العاطفي.
في النهاية، انتصر باريس سان جيرمان بفارق هدف، لكنه هدف لا يكفي للنوم في العسل، لأن ما بدأ في حديقة الأمراء كنار مشتعلة، سيبحث البايرن عن وقوده الأخير في ميونيخ.
إقرأ المزيد


