جريدة الإتحاد - 4/30/2026 11:53:28 PM - GMT (+4 )
تُشكّل الهوية الوطنية في دولة الإمارات العربية المتحدة ركيزةً أساسيةً في مسيرتها التنموية، وعنصراً محورياً في رؤيتها المستقبلية التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة. فمنذ تأسيس الاتحاد، أولت القيادة الرشيدة الحفاظ على الهوية وتعزيز ركائزها اهتماماً بالغاً، انطلاقاً من يقين راسخ بأن قوة الأمم لا تُقاس فقط بإنجازاتها الاقتصادية ومكانتها الدولية، بل بمدى تمسكها بجذورها وقيمها.
وفي هذا السياق، شهدت دولة الإمارات حدثين بارزين في يوم واحد، على نحوٍ يُمثل استمرار النهج الاستراتيجي في صون الهوية واستدامة تعزيزها، وهما: مبادرة السجل الوطني للتراث الحديث، والتوصية بإنشاء مجلس للهوية الوطنية واللغة العربية.
وفيما يخص المبادرة الأولى، فقد أطلقتها لجنة الهوية الوطنية التابعة لمجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع، خلال اجتماعها الأول برئاسة سمو الشيخة مريم بنت محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس المجلس. وتهدف المبادرة إلى توثيق وحفظ ملامح التراث الإماراتي في مراحله الحديثة، بما يشمل التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها الدولة خلال العقود الماضية.
وتترتب على مبادرة السجل الوطني للتراث الحديث مجموعة من النتائج المهمة، من أبرزها: حفظ الذاكرة الوطنية، وتعزيز الوعي بالتاريخ الحديث للدولة، وتوفير مرجع موثوق للأجيال القادمة. كما تُسهم في دعم البحث العلمي، وتعزيز الصناعات الثقافية التي تعتمد على المحتوى التراثي. وقد أوضحت سمو الشيخة مريم بنت محمد بن زايد آل نهيان مصادر تشكل الهوية ومرجعياتها، بقولها إن الهوية «تتشكّل في محيط الأسرة، وتترسّخ من خلال التعليم، وتستلهم قيمها من إرث الأجداد، ونهج الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه».
وجاءت المبادرة الثانية من المجلس الوطني الاتحادي، خلال جلسته التاسعة من دور انعقاده العادي الثالث من الفصل التشريعي الثامن عشر، على شكل توصية بإنشاء مجلس للهوية واللغة العربية، وإعداد تشريع مستقل لحماية اللغة العربية، لتضاف إلى سلسلة ممتدة من جهود الحفاظ على اللغة العربية، التي تنطلق من الوعي العميق بمركزيتها في تشكيل الهوية الوطنية، وضرورة توثيق الروابط بين ماضي أبناء الدولة وحاضرهم، وهو ما أكده معالي صقر غباش، رئيس المجلس الوطني الاتحادي، بقوله «إننا نناقش موضوعاً يتجاوز حدود اللغة بوصفها وسيلة للتخاطب، إلى كونها ركناً أصيلاً من أركان الهوية الوطنية، ومقوماً أساسياً من مقومات الولاء والانتماء والمواطنة الصالحة».
وكشف حديث معالي الشيخ سالم بن خالد القاسمي، وزير الثقافة، خلال الجلسة، عن حزمة مترابطة من الخطوات التي اتُّخذت بالفعل، من خلال نقاشات متواصلة مع الشركاء المعنيين، تضمّنت العمل على «تأسيس بعض الأطر التنظيمية والإدارية لملف اللغة العربية على المستوى الاتحادي، وإطلاق استراتيجية الهوية الوطنية التي تضمّنت اللغة العربية كركيزة أساسية».
وليس هناك شك في أن صدور المبادرتين في وقت واحد، ينطوي على العديد من الدلالات المهمة، فهو يشير إلى أن الانشغال بقضية الهوية جهد متواصل تسهم فيه كل مؤسسات الدولة، كما يعكس تكاملاً في الرؤية وتنسيقاً في الجهود، ويؤكد أن تعزيز الهوية الوطنية ليس عملاً منفصلاً، بل منظومة متكاملة تشمل التوثيق، والتشريع، والتوعية، والتعليم. كما يُشير إلى أن الإمارات ماضية في ترسيخ هذا الملف كأولوية استراتيجية، تواكب مسيرتها التنموية المتسارعة.
ويمكن التأكيد على أن جهود تعزيز الهوية الوطنية في دولة الإمارات ستستمر وتتطور، مدفوعة برؤية قيادية واعية، ومجتمع يعتز بجذوره ويتطلع إلى مستقبله، وذلك من خلال استمرار تطوير المبادرات التي توثق التراث وتحفظه للأجيال القادمة، وتعزيز دور المؤسسات الثقافية والتعليمية في ترسيخ الهوية الوطنية، ودعم اللغة العربية وتوسيع استخدامها في مختلف المجالات.
وفي الإطار ذاته، ستتواصل الممارسات التي أرستها الدولة وأسهمت في التطور المتسارع في كل المجالات، ومن بينها: تشجيع الابتكار في تقديم المحتوى الثقافي بأساليب حديثة، وتمكين الشباب من المشاركة الفاعلة في حفظ الهوية وتطويرها، والاستفادة من التكنولوجيا في تعزيز الوعي بالهوية الوطنية ومرتكزاتها الثقافية، وترسيخ القيم الوطنية في المناهج التعليمية والبرامج المجتمعية. وتضمن هذه العوامل مجتمعة لدولة الإمارات العربية المتحدة أن تواصل مسيرتها بثقة، مستندة إلى هوية وطنية راسخة، تُشكل واحداً من أهم مصادر قوتها وركائز نهضتها.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


