جريدة الإتحاد - 5/3/2026 1:36:12 AM - GMT (+4 )
لم يَعُد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يُعرف في الأساس من خلال الصواريخ أو الغارات أو المناورات البحرية، بل أصبح يتعلق بالجغرافيا الاقتصادية، وحول مَن يستطيع تحمُّلَ الضغط الاقتصادي مدة أطول، ومَن سيضطر في النهاية لتقديم تنازلات.
لقد أدى الحصار الذي فرضته واشنطن على الموانئ الإيرانية، إلى جانب إغلاق طهران مضيقَ هرمز، إلى خلق حالة اختناق في حركة التجارة العالمية. وإذا استمر هذا التصعيد، فإن الصدمة الاقتصادية ربما تتسع لتؤثّر على جميع الاقتصادات الكبرى في العالم خلال الأشهر المقبلة.
وكان الاقتصاد الإيراني في حالة مزرية بالفعل قبل الهجمات الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير الماضي، حيث أدت سنواتٌ من العقوبات والتضخم المرتفع وسوء الإدارة إلى إضعاف قدرة البلاد على استعادة الاستقرار. وكانت الاحتجاجات التي اندلعت في يناير الماضي قد بدأت أساساً نتيجةَ الضغوط الاقتصادية الشديدة. ومنذ تصاعد الأعمال العدائية، تدهور الوضعُ أكثرَ، خاصةً مع تعطل التجارة وتراجع عائدات التصدير، مما زاد الضغطَ على الدولة الإيرانية وشعبها.
يعتقد بعض المحللين أن هذا الضغط سيُجبر ملالي طهران، في نهاية المطاف، على السعي إلى تسوية مع واشنطن، حيث ستتغلّب الظروفُ الاقتصادية على التحدي الأيديولوجي. وقد تتطلب تلك التسوية من إيران التخلي عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم، مقابل تخفيف العقوبات وإنهاء الحصار. لكن المعاناة الاقتصادية لا تؤدي تلقائياً إلى الاستسلام السياسي.
فالدول التي تتعرض لضغوط شديدة غالباً ما تراهن على الصمود، لاسيما إذا اعتقدت أن خصمها يواجه بدوره قيوداً سياسية داخلية. ويُمثل إغلاق مضيق هرمز خطراً اقتصادياً واسعاً، إذ يمر عبره نحو خُمس النفط المتداول عالمياً. وسيؤدي استمرار هذا الاضطراب إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة التضخم في الأسواق العالمية. وسرعان ما شعرت أوروبا وآسيا بآثار الإغلاق، لكن المستهلكين الأميركيين ليسوا بمنأى عنها. ويعني ذلك أن الضغط متبادلٌ، وأنه مع تأثُّر الاقتصاد العالمي سيزداد الضغط السياسي على الرئيس دونالد ترامب.
وفي ظل هذه الظروف فإن أي تسوية مع إيران لا تُعتبر نصراً واضحاً سيُصورها النقاد على أنها تنازل. ونظراً لطبيعة ترامب، فقد يدفعه ذلك إلى التصعيد بدلاً من التسوية. وفي نفس الوقت، تواجه إيرانَ خياراتٌ صعبةٌ، فمع ارتفاع معدلات البطالة وتراكم الأجور غير المدفوعة، يتعين على النظام الحفاظ على استمرار عمل الاقتصاد رغم الحصار.
ومن بين الخيارات المتاحة توسيع طُرق التجارة البرية عبر باكستان والاعتماد بشكل أكبر على الأسواق المتاحة عبر بحر قزوين. ورغم تكلفة هذه البدائل، إلا أنها قد تمنح طهران نَزْراً محدوداً من القدرة على الصمود. وتشير أحداث التاريخ إلى أن الحصار وحده نادراً ما ينهي النزاعات بسرعة. فخلال الحرب الأهلية الأميركية، قيّد حصار الاتحاد التجارة مع الكونفدرالية بشدة، ومع ذلك استمرت الحرب أربع سنوات. كما فشل الحصار البريطاني لألمانيا في بداية الحرب العالمية الأولى في تحقيق نتيجة سريعة.
وعانى الاقتصاد الألماني بشدة، لكن الحرب لم تنتهِ حتى عام 1918. وتسبب الحصار الأميركي لكوبا في معاناة اقتصادية شديدة، لكنتها ما تزال رافضةً الاستجابةَ للمطالب السياسية الأميركية. لذا، يلعب الوقت دوراً حاسماً، وقد لا يكون في صالح ترامب. فإذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع الحاد، وارتفعت تكلفة المعيشة في الولايات المتحدة، فستشتد الضغوط السياسية الداخلية.
وقد تُفضي الهزيمة في انتخابات الكونغرس، نوفمبر المقبل، إلى حرمان إدارة ترامب من الدعم السياسي اللازم لمواصلة المواجهة لفترة طويلة قادمة. ويدرك المتشددون الإيرانيون هذه الديناميكية، أي أنه ما لم تُطيح انتفاضة داخلية بالنظام، وهو احتمال لا يُستبعد، فقد يعتقدون أن بإمكانهم تحمل التداعيات الاقتصادية لفترة كافية.وفي الوقت الراهن، يُشبه الصراع منافسةً محفوفةً بالمخاطر، حيث يختبر كل طرف مدى تحمل الآخر للألم الاقتصادي، بينما يأمل أن تُؤدي الضغوط السياسية إلى كسر خصمه أولا.. وهذا تحديداً ما يجعل الصراع الحالي بالغَ الخطورة.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال إنترست» - واشنطن
إقرأ المزيد


