جريدة الإتحاد - 5/12/2026 10:03:23 PM - GMT (+4 )
ليست كل الحروب تبدأ بصاروخ، ولا كل الهزائم تُقاس بسقوط المدن. أحياناً تبدأ الهزيمة الحقيقية حين يرى العالم الخطر بوضوح، ثم يختار الصمت. وحين تتحوّل المصالح إلى غطاء للخوف، يصبح العبث بأمن الشعوب أمراً اعتيادياً، وكأن البشرية اعتادت إدارة الأزمات بدلاً من منعها.
وهذا تماماً ما يحدث اليوم في الخليج العربي. فالمنطقة لا تعيش مجرد توتر سياسي عابر، بل حرباً مفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تهدد أمن الخليج العربي واستقرار الاقتصاد العالمي بأكمله. ورغم ذلك، يقف العالم متردداً، يراقب التصعيد وكأنه شأن بعيد عنه، رغم أن أي اضطراب في الخليج يعني اضطراب الطاقة والأسواق والتجارة الدولية.
دول الخليج العربية، وفي مقدمتها الإمارات، لم تكن تبحث عن الحرب يوماً، بل سعت إلى حماية الاستقرار وتجنب التصعيد. ومع ذلك، لم تتردد إيران في تهديد أمن الخليج، واستهداف المنشآت المدنية، والعبث بأمن الملاحة والطاقة، مستفيدة من حالة التردد الدولي وضعف الإرادة السياسية لدى كثير من الدول الكبرى.
إيران اليوم لا تتحرك كدولة تبحث عن توازن سياسي، بل كمشروع توسعي يعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة والأذرع المسلحة والخلايا النائمة لفرض نفوذه في عدة دول عربية. والأخطر أن هذا المشروع يزداد جرأة كلما شعر بأن العالم عاجز عن الرد أو خائف من المواجهة.
وحين دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى موقف أكثر حزماً وتحالفات دولية لحماية الملاحة وردع التهديدات، ظهر التردد الأوروبي بوضوح. وبعض الدول الغربية تريد من الولايات المتحدة الأميركية أن تبقى الحارس العسكري الدائم للعالم، بينما تكتفي هي بإصدار بيانات القلق، رغم أنها أول من يتأثر باضطراب الطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي الوقت نفسه، تستغرب تلك الدول أي حديث أميركي عن تقليص الوجود العسكري، رغم أنها لم تتحمل أصلاً مسؤولياتها الدفاعية الكاملة داخل حلف شمال الأطلسي. وكأن حماية الغرب أصبحت واجباً أميركياً دائماً، بينما يحق للبقية الاكتفاء بالمراقبة وإلقاء المحاضرات السياسية.
لكن السؤال الأخطر: ماذا لو امتلكت إيران سلاحاً نووياً؟ وماذا لو استعادت أموالها المجمدة وعادت إليها موارد مالية ضخمة؟ من يراقب سلوكها الحالي يدرك أن زيادة القوة أو الموارد لن تعني التهدئة، بل قد تعني إنتاج مزيد من أدوات الدمار وتمويل مزيد من الأذرع والتنظيمات التي تهدد استقرار المنطقة والعالم.
فالمشكلة ليست في السلاح وحده، بل في طبيعة المشروع الذي يقف خلفه. فخلال العقود الماضية، لم تستخدم إيران نفوذها لبناء استقرار إقليمي، بل لتحويل عدة دول عربية إلى ساحات صراع وفوضى عبر التدخلات ودعم الجماعات المسلحة.
إن أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس فقط الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل التردد الدولي الذي يمنح المشاريع التوسعية شعوراً بأنها قادرة على الاستمرار دون ثمن حقيقي. والتاريخ يعلمنا أن تجاهل الخطر لا يلغيه، بل يمنحه وقتًا أكبر للنمو. ولهذا، فإن على دول الخليج العربية والعالم العربي إدراك أن الأمن لا يُمنح، بل يُبنى بالقوة والجاهزية والوحدة. لأن العالم الذي يتفرج اليوم على استهداف الخليج العربي، قد يكتشف غداً أن النار التي ظنها بعيدة أصبحت أقرب إليه مما كان يتخيل.
*لواء ركن طيار متقاعد.
إقرأ المزيد


