تقديس الخرافة.. حين يُهان العقلُ يُهان الإيمان
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ثمة خيط رفيع ودقيق، لكنه حاسم، يفصل بين الإيمان الحقيقي والفكر الخرافي. خيط قد يبدو للبعض غير مرئي، لكنه في الواقع هو الفارق بين نور يهدي الإنسان، وظلام يستهلكه. الإيمان، في جوهره، هو تصديق ما لا يُرى بالعين، وثقة بما لا يستطيع العقل البرهنةَ عليه بالأدلة الملموسة أو إخضاعه للتجربة والقياس، لكنه في الوقت ذاته ثقة واثقة وعميقة ونابعة من اختبار داخلي وشخصي، ومن انسجام بين العقل والضمير والوجدان.

أما الخرافة، فهي شيء آخر تماماً.الإيمان الحقيقي لا يطلب من الإنسان أن يُلغي عقلَه، بل أن يستخدمه بتواضع. فالعقل ليس عدو الإيمان، بل هو أعظم نعمة وهبها الله للإنسان، والأداة التي تميّزه، والطريق الذي يقوده إلى الفهم، ثم إلى الإيمان. ليس عبثاً أن فكر القديس، وينسبها الفكر اللاهوتي والفلسفي خاصة للقديس أغسطينوس، قد تبنّى مفهوم: «أفهم لكي أؤمن، وأؤمن لكي أفهم». فالله الذي منحنا العقلَ لا يريد منّا أن نتجاهله أو نعطله، بل إن نستنير به، وأن نستخدمه كي نقترب من الحقيقة، ونصل إلى يقين لا يعمي البصيرة بل يوضحها.

الإيمان الحق لا يكمّم الأسئلةَ، ولا يخاف من الشك، بل يراهما محطاتٍ طبيعيةً في مسيرة النمو الروحي. وهنا يصبح العقل وسيلةً للتأمل، والتفكير، والتساؤل، بل وحتى للشك البنّاء، لا لهدم الإيمان، بل لتنقيته وتعميقه. إنه الإيمان الذي ينمو بالثقة لا بالخنوع، وبحبّ الأحرار لا بخضوع المجبَرين. الإيمان هو الذي يجعلنا نؤمن بأن محبة الله تغمرنا دون أن تعمينا، وتحوطنا دون أن تقيدنا، وتقودنا دون أن تلغي حريتنا.

أما الخرافة فهي خلاف لذلك، لأنها تقودنا إلى أن نمنح القداسةَ لأفكار ومعتقدات تناقض العقل والمنطق والحس السليم، فنسقط في الخلط بين ما يتخطى العقلَ وما يخالفه. الإيمان يتجاوز حدود العقل المحدود، أما الخرافة فتصطدم به وتلغيه.

الفرق قد يبدو بسيطاً في الظاهر، لكنه عميق في جوهره. وهنا يظهر «التعصب الأعمى» كالمؤشر الأقوى على الخلط بين الإيمان والخرافة.. فكل إيمان يدفع الإنسانَ إلى التعصب والتطرف والتشدد ورفض السؤال وشيطنة المختلف، هو إيمان مريض ومرضي.

إن الله تعالى لا يحتاج إلى مَن يدافع عنه بالعنف، ولا ينتظر من أتباعه أن يتحولوا إلى قضاة وجلادين باسم السماء، لأن الإيمان الحقيقي يقود فقط إلى السلام الداخلي واتزان النفس ونمو العقل وانفتاح القلب، وسمو النفس والأخلاق. إن مَن يتخيل أنه يصبح مؤمناً حقيقياً عبر التشدد أو التطرف أو إقصاء الآخرين أو رفض التنوع، لم يعرف الله بعد. فالله الذي خلق الإنسان حراً، أراده متنوعاً في اللغة، والعرق، والثقافة، والانتماء، والجنس، واللون. التنوع ليس نقصاً في خَلق البشر، بل حكمة إلهية. تقديس الخرافة هو أحد أخطر مظاهر التخلف الإنساني والحضاري والديني. عندما نصدِّق أيَّ شخص لمجرد أنه يستشهد بنص ديني، أو يحفظ آية أو حديثاً، دون فحص أو نقد، ونتعصب لأفكاره مهما كانت متطرفةً أو منافيةً للعِلم والمنطق، فذلك ليس تقوى، بل ضياع. وعندما نكفّ عن «التمييز» فنخلط بين العَالِم ومدّعي العلم، بين الطبيب والدجّال، بين رجل الدين الحقيقي والسفّاح المتستر بالدين، بين ما هو نفيس وما هو رخيص.. حينها لا نكون فقط قد أخطأنا الطريقَ، بل نكون قد استبدلنا عبادةَ الله بصناعة أصنام من أفكار وأشخاص ورموز، وقررنا، بإرادتنا الحرة، أن نصير عبيداً لها.

الفكر الخرافي لا ينتشر في المجتمعات المتدينة حقاً، بل في تلك التي تدّعي التدين. ينتشر حيث الجهل، وحيث المرض النفسي، وحيث أنصاف المتعلمين ومدَّعو الثقافة. أما الإيمان الحقيقي، فينمو بين الصالحين الذين يحترمون الإنسانَ والإنسانيةَ ويبجّلون العقل وينتهجون التفكيرَ ويؤمنون بالعلم ويجيدون الحوارَ ويتقنون الاختلاف.. أولئك الذين يرون في التعدد ثراءً، وفي الحرية أعظم نعم الله على البشرية. وفي النهاية، الإيمان الذي لا يحترم العقل يخون نفسَه، والدين الذي يُخاصم الإنسانيةَ يفقد روحَه. أما الإيمان الذي يحرر الإنسانَ، فهو وحده القادر على أن يكون نوراً لا ناراً، وبناءً لا خراباً، وطريقَ حياة لا متاهةَ خوف.
 



إقرأ المزيد