انتخابات تُعيد تشكيل خريطة الهند السياسية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أكدت النتائج الأخيرة لانتخابات المجالس التشريعية في عدد من الولايات الهندية مدى قوة رياح التغيير التي تهبّ على المشهد السياسي للبلاد. فقد توجّه الناخبون في أربع ولايات، وهي البنغال الغربية وأسام في الشرق، وتاميل نادو وكيرالا في الجنوب، إلى صناديق الاقتراع لاختيار حكوماتهم المحلية الجديدة، وقد أعطت النتائج لمحةً عن المناخ السياسي الراهن ومدى تطلع الناخبين للتغيير.
وفي انتخابات ولاية البنغال الغربية، التي شهدت منافسةً محتدمةً وسجّلت للمرة الأولى نسبةَ تصويت قياسية بلغت 92%، اكتسح حزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكمُ الانتخابات. وتحمل هذه النتيجة دلالةً بالغة الأهمية، كونها المرة الأولى التي يصل فيها الحزب الحاكم بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى السلطة في هذه الولاية تحديداً منذ استقلال الهند. وتتمتع هذه الولاية بهوية ثقافية راسخة، وجاءت تلك النتائج لتؤكد النفوذ السياسي المتنامي لحزب «بهاراتيا جاناتا»، بعد أن كان نفوذه مقتصراً في السابق على الولايات الناطقة باللغة الهندية في شمال ووسط الهند فقط.
وعبر الاستفادة من الثقافة البنغالية المحلية، أظهرت مقاطعُ فيديو رئيسَ الوزراء مودي وهو يلقي خطابات في تجمّعات حاشدة ويتوقف في جولات الشوارع للقاء المواطنين، وكيف طوّر حزبُ «بهاراتيا جاناتا» تكتيكاتِه السياسية لتتناسب مع الطبيعة المحلية. وتتمتع الهوية البنغالية في ولاية البنغال الغربية بقوة كبيرة، وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء عجز الحزب عن الفوز هناك طوال 75 عاماً الماضية. لكنه تمكّن هذه المرة من تغيير استراتيجيته واستغلال تراجع شعبية رئيسة الوزراء المحلية السيدة «مامتا بينرجي»، التي انتُخبت لثلاث فترات متتالية ممثلةً للحزب الإقليمي البنغالي «تيرنامول كونغرس». وكانت السياسية البارزة، البالغة من العمر 71 عاماً والمعروفة بملامحها الحادة وانتقادها اللاذع لمودي، تحكم الولايةَ منذ عام 2011، أي لمدة 15 عاماً متواصلة.
ولا شكَّ في أن عاملَي السخط الشعبي ورغبة الناخبين في التغيير كان لهما تأثير سلبي عليها، حيث قاد مودي ووزير الداخلية أميت شاه والعديد من القادة البارزين في حزب «بهاراتيا جاناتا» حملاتٍ انتخابيةً مكثّفةً في البنغال الغربية لأسابيع، ركّزت على القضايا المعيشية الأساسية مثل البطالة، إلى جانب قضايا الفساد والحَوكمة. كما ركّزت حملةُ الحزب على قضية الهجرة غير الشرعية من بنغلاديش، مستغلةً المخاوف المحلية المتعلقة بالوظائف، والأمن، والهوية، مما ساهم في حشد تأييد بعض الناخبين الهندوس لصالح الحزب.
وبالمثل، هبّت رياحُ التغيير على الولايات الجنوبية، خاصة كيرالا وتاميل نادو، حيث تُعد الأخيرة واحدةً من أكثر ولايات الهند تطوراً بنسبة نمو بلغت 11%، كما تُعتبر مركزاً صناعياً رئيسياً. حيث فجّر الممثل السينمائي التاميلي الذي تحوّل إلى السياسة، جوزيف فيجاي، مفاجأةً كبرى بعد أن نجح حزبه التاميلي الجديد، حزب «تاميزاغا فيتري كازاغام»، في الفوز بأغلبية المقاعد وتشكيل الحكومة بدعم من «حزب المؤتمر الوطني الهندي» في هذه الولاية الجنوبية. وأطاح الحزبُ الجديدُ بحزب «درافيدا مونيترّا كازاغام» الإقليمي العريق والأكثر رسوخاً بقيادة «إم كيه ستالين»، وهو ما يؤكد تطلُّع الناخبين نحو التغيير وإن اختلفت الأسباب. وتمكّن الحزب الجديد من هزيمة جميع الأحزاب السياسية الإقليمية النافذة الأخرى تقريباً، على الرغم من افتقاره للقوة التنظيمية.
ورغم أن انتخابات الولايات تُحسم بناءً على قضايا محلية ومرشحين محليين، فإن هذه الانتخابات سيكون لها أثرٌ ملموسٌ على السياسة الوطنية، ويتوقع أن يحقق مرشح الحزب الحاكم لرئاسة الهند، في الانتخابات المقرر إجراؤها العامَ المقبل، فوزاً ساحقاً. كما حدّدت هذه النتائج ملامحَ الحملة التمهيدية للانتخابات العامة لعام 2029، والتي يأمل فيها حزب «بهاراتيا جاناتا» الفوزَ بفترة ولاية رابعة، وبدأ قادة الحزب بالفعل في التأكيد على تطلعهم لرؤية فترة ولاية خمسية رابعة لناريندرا مودي. وتمثِّل هزيمة «مامتا بينرجي» وحزبها انتكاسةً واضحةً لتحالف المعارضة الذي يواجه صعوباتٍ في الوقوف بوجه مودي وحزبه، حيث كان كل من «إم كيه ستالين» و«مامتا بينرجي» من أقوى المعارضين الإقليميين لحزب «بهاراتيا جاناتا»، وقد ضعف كلاهما الآن ولم يعودا قادرين على قيادة معارضة فعالة.
وفي المقابل، خرج حزب رئيس الوزراء ناريندرا مودي الآن أقوى سياسياً وأكثر نفوذاً داخل البلاد بعد فوزه في ولايتَي البنغال الغربية وأسام. وبالنظر إلى خريطة الهند يتضح أن البلاد بأكملها باتت تكتسي باللون الزعفراني، وهو لون علم حزب «بهاراتيا جاناتا»، باستثناء إقليم كشمير في الشمال والولايات الجنوبية، ما يجعل مهمة تحالف المعارضة في مواجهة الحزب الحاكم أكثر صعوبة في ظل قوته الراهنة.يبقى أن نرى كيف سيستعدّ تحالفُ المعارضة لمواجهة ناريندرا مودي وحزبه. لكن ثمّة جانبٌ إيجابيٌ لـ«حزب المؤتمر الوطني الهندي»، الذي فاز في ولاية كيرالا، كما أصبح شريكاً في حكومة ولاية تاميل نادو. والسؤال الآن هو: هل سيؤدي ضعف النفوذ الإقليمي إلى عودة حزب المؤتمر ليصبح قوة سياسية أقوى على مستوى الهند؟


*رئيس مركز الدراسات الإسلامية في نيودلهي



إقرأ المزيد