عهدٌ مجيد ومجدٌ تليد
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يُمثّل القائد في عُرف الفلسفة السياسية الركيزةَ الجوهرية التي تمنح الوجودَ الاجتماعي معناه وقيمتَه، فهو الضامن لتحقيق المقاصد الإنسانية العُليا من أمن وازدهار. ومنذ فجر التاريخ، ارتبط نجاح الدول بقدرة الحاكم على الجمع بين حكمة النظر وسُلطة القرار، فالحاكم الفيلسوف، كما رآه أفلاطون، هو الذي يَسوس الناسَ بمقتضى الحقائق الثابتة، محوِّلاً السياسة من مجرد إدارة للمصالح إلى رسالة سامية تستهدف كمالَ الفرد وسعادة المجتمع، وبلوغ الغايات التي تليق بكرامة الإنسان وتطلعاته الكبرى.
ويتجلى هذا النموذج التاريخي في شخص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بوصفه امتداداً طبيعياً لأسرة حُكم عريقة تضرب جذورها في أعماق التاريخ، مستلهماً عبقريةَ والده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه. لقد أرسى الوالد المؤسِّس قواعد أنجح تجربة اتحادية عربية معاصرة، واضعاً لبنات دولة قامت على الحكمة والبناء، لتستمر هذه المسيرة تحت قيادة الابن الذي ورث الأمانةَ بحزم واقتدار، مواصلاً ترسيخ أركان الاتحاد بقيمٍ أصيلة ورؤية عصرية.
إن المتأمل في مسيرة سموّه يدرك أثرَ النشأة الفريدة التي صقلت وجدانَه، حيث تداخلت فيها أصالةُ البيئة المحلية وقيمُها البدويةُ النبيلةُ مع أرقى معارف الحداثة العالمية التي اكتسبها مِن أعرق الأكاديميات الدولية. هذا المزيج النادر صنع قائداً يمتلك وعياً كونياً، قادراً على الانفتاح نحو آفاق المستقبل مع التمسك بالهوية الوطنية، مما جعل شخصيتَه جسراً حضارياً يربط بين موروث الأجداد وبين متطلبات العصر وتحوّلاته المتسارعة، مؤكداً من خلالها تفرُّدَ النموذج القيادي الإماراتي.
ومع تدرُّجه في القوات المسلحة، ظهرت ملامحُ القائد الاستراتيجي القادر على بناء مؤسسة عسكرية حديثة تمتلك الكفاءةَ والانضباطَ والجاهزيةَ. وقد أسهمت رؤيتُه في تطوير القوات المسلحة لدولة الإمارات حتى غدت واحداً من أكثر الجيوش تقدُّماً في المنطقة. ثم جاءت مرحلةُ ولاية عهد إمارة أبوظبي لتكشف عن عقلٍ تنموي استثنائي، قاد تحوّلاتٍ اقتصاديةً واجتماعيةً عميقةً رسَّخت مكانةَ الإمارة مركزاً عالمياً للمعرفة والاستثمار وجودة الحياة. وعندما تولى رئاسة الدولة، واجه عالماً مضطرباً يموج بالأزمات، فبدت الإمارات أكثر تماسكاً وصلابةً، وأشدَّ حضوراً في معادلات المنطقة والعالَم.
وفي جانبٍ آخر من شخصيته، يتجلّى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد مفكِّراً يدفع بمسار التنوير والاعتدال، ويجعل مِن أبوظبي منارةً للحكمة الإنسانية والإشعاع الحضاري وصولاً إلى أصقاع الأرض. إنه يقود مشروعاً فكرياً يرتكز على محاربة الجمود والتطرف والإرهاب، مستبدلاً بظلامَ الأيديولوجيات الهدامة نور العقل وقيم الحداثة. وهكذا اقترنت قوة دولة الإمارات ببُعدٍ أخلاقي وإنساني، يمنح السياسة معنى أسمى من حدود المصالح الضيقة.
 لقد غدا سُمُوُّهُ الحكيمَ الذي تقصده القيادات العالمية التماساً للمشورة في أحلك الظروف، فهو الشريك الموثوق والحليف الأوفى لتعزيز السِّلم الدولي ومجابهة الإرهاب بشتّى صوره وأشكاله. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، امتدت أياديه البيضاء نحو بقاع شتّى، من البلقان إلى آسيا وأفريقيا، داعماً جهودَ التنمية المستدامة ومنقذاً للشعوب من مِحَنها. هذا العطاء ينمّ عن رؤية فلسفية ترى في القوة مسؤولية أخلاقية، وفي الثروة وسيلةً لرفع المعاناة عن الإنسان أينما كان، مما رسّخ مكانةَ الإمارات كمنارة للخير الكوني.
وفي ميادين الاختبار، تجلّت شجاعةُ القائد الذي واجه الأطماع الإقليمية بصلابة منقطعة النظير، حامياً ثغورَ الوطن واستقرارَ المنطقة. لقد أثبتت المواقفُ جدارةَ قواته وصلابة مجتمعه في وجه التهديدات، حيث ظل واقفاً شامخاً أمام كل مَن تُسوِّل له نفسُه المساسَ بالسيادة، مجسّداً بمواقفه هذه المقولةَ الخالدةَ «الإمارات جلدها غليظ ولحمتها مرّة،»، وهي عبارة تُلخّص فلسفةَ الردع والحزم التي تنتهجها القيادةُ لحماية مكتسبات الوطن وفرض التقدير على الساحة الدولية.
وحين تجتمع الحكمة بالشجاعة، والفكر بالفعل، تتشكّل صورةُ القائد النادر الذي يصنع الفارقَ في تاريخ الدول. فصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد يجمع قيمَ الفيلسوف الذي يَفهم حركةَ التاريخ، وخصالَ القائد الذي يمتلك الجرأةَ في لحظات التحول، ومواصفات الحكيم الذي يدير القوةَ ضمن رؤية إنسانية متّزنة. وتلك معادلةٌ شديدةُ النُّدرة في عالم السياسة، إذ تقتضي عقلاً واسعاً، وخبراتٍ متراكمةً، وقدرةً على المواءمة بين المثال والواقع.
 إنّ دولةً يقودها فكرُ  صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد هي دولةٌ محصَّنةٌ بالوعي، ومنصورةٌ بقوة العقل والحكمة، حيث يغرس سموّه في قادة المستقبل بذورَ الأصالة والتنوير. وستبقى الإماراتُ واحةَ أمن وازدهار تحت قيادة رجلٍ صاغ مِن طموحه معجزاتٍ، ومِن حزمه سلاماً، ومِن رؤيته مجداً تليداً.. فتحيةً لِقائدٍ طوّع المستحيلَ حتى استقامَ بِناءً شامخاً، واستقرأَ سِفرَ الزمانِ فأورثنا غداً نيّراً.

*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد