إذا كان ما يجري انقلابًا، فهو انقلاب بطيء الإيقاع
أيلاف -

وسط لندن- إيلاف عادل درويش: “ردّ كير ستارمر بتحدٍّ على استقالة ويس ستريتنغ، مؤكداً أن الحكومة ستواصل عملها بشكل طبيعي وأن حزب العمال سيتعافى من نتائجه الانتخابية الكارثية. لكن داخل وستمنستر، يبدو أن الصراع البطيء حول خلافة ستارمر قد تجاوز مرحلة الشائعات إلى التحضير الفعلي.”
يتابع عادل درويش التطورات المتسارعة من وستمنستر.

الأزمة التي تحاصر ستارمر لم تعد مجرد مسألة تراجع في استطلاعات الرأي، أو نتائج سيئة في الانتخابات المحلية، أو تذمر داخلي داخل الحزب. بل إنها تتطور إلى أمر أخطر بكثير: نقاش بطيء ومتزايد العلنية حول ما إذا كان حزب العمال يستطيع تحمّل خوض الانتخابات العامة المقبلة تحت قيادته.

استقالة ستريتنغ حوّلت القلق الخاص إلى حرب سياسية مفتوحة.

وما يجعل الوضع خطيراً بشكل خاص بالنسبة لستارمر هو أن ستريتنغ لم يعلن رسمياً حتى الآن تحديه على قيادة الحزب. ويبدو أن هذا الإحجام مقصود؛ فبدلاً من الترشح المباشر، يبدو أن ستريتنغ يسعى أولاً إلى فتح نقاش أوسع داخل الكتلة البرلمانية لحزب العمال وبين قواعد الحزب حول ما إذا كان ستارمر ما يزال قادراً على الفوز انتخابياً.

إذا كان هذا انقلاباً، فهو يحدث ببطء شديد.

في يوم واحد انتشرت الشائعات والمناورات وبدأت القوى بالتجمع. وفي اليوم التالي جاءت رسالة الاستقالة التي تحدثت عن “الشرف” و”المبدأ”، ثم بعد أربع ساعات جاء رد هادئ ومتحدٍ بشكل متعمد من داونينغ ستريت.

رسالة رد ستارمر، بعد أربع ساعات، صيغت بعناية لتعكس السلطة لا الذعر. فقد شكر ستريتنغ بحرارة على عمله في تقليص قوائم انتظار هيئة الصحة الوطنية وتحسين سرعة استجابة سيارات الإسعاف، وأعرب عن أسفه لخسارته من الحكومة، لكنه أصر على أن حزب العمال سيواصل إصلاح الخدمات العامة وإعادة بناء الثقة بعد كارثة الانتخابات المحلية. كانت الرسالة واضحة: الأمور تسير كالمعتاد. وزير استقال، وسيُعيَّن آخر، ورئيس الوزراء ما يزال ممسكاً بزمام الأمور.

المخضرمون في وستمنستر أدركوا فوراً هذا السيناريو. فعند سقوط رئيس الوزراء المحافظ بوريس جونسون في يوليو 2022، اعتُبرت الاستقالات الكبرى الأولى — ساجد جاويد من وزارة الصحة وريشي سوناك من وزارة الخزانة — مجرد اضطرابات يمكن احتواؤها. لكن خلال أيام تحولت إلى انهيار متسلسل. وقد تحدثت رسالة استقالة سوناك عن توقع الناس أن تُدار الحكومة “بشكل صحيح وكفؤ وجاد”، وانتهت بعبارة: “لا يمكننا الاستمرار هكذا.” وتحمل رسالة ستريتنغ خطراً مشابهاً بالنسبة لستارمر: استقالة واحدة يمكن احتواؤها، لكن سلسلة استقالات قد تكون قاتلة.

السؤال الحاسم الآن هو: هل سيتبع وزراء آخرون ستريتنغ خارج الحكومة؟
فاستقالة واحدة يمكن السيطرة عليها، لكن رد فعل متسلسل قد يدمر سلطة ستارمر خلال أيام.

ومن المفارقات أن الأزمة السياسية تصاعدت في يوم كان يفترض أن يعزز موقف رئيس الوزراء. فقد تلقت الحكومة أخباراً إيجابية بشكل غير معتاد بشأن الاقتصاد وهيئة الصحة الوطنية: ارتفاع الإيرادات، وتحسن توقعات النمو، وأرقام أفضل للخدمات الصحية. وفي الظروف العادية كانت مثل هذه الأرقام ستساعد على استقرار الحكومة.

لكن مشكلة ستارمر لم تعد اقتصادية، بل أصبحت تتعلق بالسلطة والقيادة.

والمفارقة الأعمق أن الصفات نفسها التي جعلت ستارمر قابلاً للانتخاب بعد سنوات جيريمي كوربن قد تكون الآن سبب تدمير رئاسته للحكومة. فقد اختاره حزب العمال لأنه بدا منضبطاً وكفؤاً وجاداً وآمناً، كتصحيح للفوضى الأيديولوجية السابقة. لكن ما طمأن الناخبين أثناء وجود الحزب في المعارضة يبدو الآن فارغاً عاطفياً وهو في الحكم.

حتى النواب العماليون الذين ما يزالون يدعمونه يشتكون سراً من أن لا أحد يعرف حقاً ما الذي يؤمن به ستارمر. فالناخبون قد يسامحون الخلاف الأيديولوجي، لكنهم نادراً ما يسامحون الغموض.

أما ستريتنغ، فهو على النقيض تقريباً من هذه الشخصية السياسية.

قد يبدو للرأي العام شخصية جديدة نسبياً، لكنه داخل وستمنستر ليس كذلك أبداً. فهو معروف بين النواب والصحفيين بأنه سهل التعامل، ويتمتع بروح الدعابة، ولبق سياسياً، وفعّال جداً في العلاقات الشخصية. يتحدث بسهولة مع الصحفيين، ويتحرك بطلاقة داخل أروقة البرلمان، ويملك أسلوباً سياسياً حوارياً يبدو ستارمر غالباً غير مرتاح له.

وفي سياسة وستمنستر، للشخصية أهمية كبيرة.

فالسياسة هناك لا تُدار فقط عبر الخطب والتشريعات، بل أيضاً من خلال العلاقات غير الرسمية والثقة والمحادثات الخاصة وشبكات النفوذ. ستارمر يفرض الاحترام، أما ستريتنغ فيبني العلاقات.

لكن صعود ستريتنغ يكشف أيضاً مأزق حزب العمال الأوسع: استبدال ستارمر قد يكون أسهل من استبداله بأمان.

أنجيلا راينر ما تزال تحظى بشعبية كبيرة لدى أجزاء من الحركة النقابية ونشطاء الحزب وبعض التيار النسوي اليساري. والأهم أن النقابات ما تزال توفر جزءاً كبيراً من الدعم المالي والتنظيمي للحزب. لكن كثيراً من النواب الوسطيين ورجال الأعمال يخشون أن تؤدي قيادة راينر إلى إثارة قلق الأسواق المالية المتوترة أصلاً بسبب عدم الاستقرار السياسي.

أما ستريتنغ، فيُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره امتداداً لتقليد حزب العمال الإصلاحي الوسطي، وليس تحولاً أيديولوجياً حاداً. ولذلك قد يبدو أقل تهديداً للنواب القلقين وللأسواق مقارنة ببعض البدائل الأخرى.

أما آندي بورنهام فيمثل مشكلة مختلفة تماماً.

فبالنسبة لكثير من نشطاء حزب العمال وأنصار “الجدار الأحمر”، يُعد عمدة مانشستر الكبرى البديل الأكثر شعبية عاطفياً لستارمر. ويتحدث بورنهام بلغة حزب العمال الإقليمي وبريطانيا ما بعد بريكست والوطنية الطبقية بصورة أكثر طبيعية من كثير من شخصيات وستمنستر.

لكن حتى الآن، كانت أكبر عقبة أمامه دستورية لا سياسية: فهو ليس نائباً في البرلمان.

وقد تغير ذلك بشكل دراماتيكي عندما أفادت تقارير بأن جوش سيمونز، نائب حزب العمال عن دائرة ميكرفيلد، عرض الاستقالة من البرلمان لإفساح المجال أمام بورنهام للعودة عبر انتخابات فرعية. وقد حوّل هذا العرض بورنهام من شخصية رمزية خارجية إلى منافس حقيقي محتمل على القيادة.

لكن حتى هذا المسار يكشف حجم عدم الاستقرار المتزايد داخل الحزب. فما يزال بإمكان اللجنة التنفيذية الوطنية لحزب العمال تعطيل أو تأخير هذه الترتيبات، كما أن بورنهام سيظل بحاجة للفوز في انتخابات فرعية قبل أن يتمكن رسمياً من دخول أي سباق على القيادة. وقد يؤدي ذلك إلى أشهر من عدم اليقين تمتد حتى موسم مؤتمر الحزب في نهاية الصيف.

قد يكون ذلك قابلاً للتحمل سياسياً بالنسبة لحزب العمال، لكنه قد يكون أقل راحة بالنسبة لبريطانيا نفسها.

فالأسواق والمستثمرون وقادة الأعمال يقدّرون الاستقرار فوق كل شيء تقريباً. وحرب قيادة مطولة داخل الحزب الحاكم قد تخلق تحديداً نوع عدم اليقين الذي تكرهه المؤسسات المالية.

وتحت كل ذلك تكمن الحقيقة الأعمق:

لم يعد حزب العمال يناقش فقط ما إذا كان ينبغي أن يبقى ستارمر أو يرحل، بل يناقش أي نوع من حزب العمال سيبقى بعده:
حزب العمال الإداري على نهج بلير، أم حزب النقابات، أم حزب “الجدار الأحمر”، أم حزب العمال التقدمي الحضري، أم مزيج غير مستقر من هذه الاتجاهات الأربعة.

أما الحكم على ستارمر داخل وستمنستر، فيبدو بشكل متزايد وكأنه قد حُسم بالفعل.

والسؤال الوحيد المتبقي الآن هو:
هل سيرحل سريعاً، أم أن بريطانيا على وشك أن تشهد “وداع حزب العمال الطويل لكير ستارمر”



إقرأ المزيد