جريدة الإتحاد - 5/14/2026 11:50:34 PM - GMT (+4 )
عادةً ما تُقاس الحروب بما تحقق من انتصارات في المعارك، وما تم اكتسابه من أراضٍ، وما أطيح به من أنظمة، إذ يركز المخططون العسكريون على الأهداف والجداول الزمنية وتوازن القوى. إلا أن التاريخ يُشير إلى أن أكثر عواقب الحرب بقاءً وتأثيراً هي في الغالب آثارها الجانبية: الاضطرابات غير المباشرة التي تمتد إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة، والتي تؤثر على ملايين البشر الذين لم يكونوا أصلاً من بين الأهداف المُستهدفة.
الحرب أشبه بإلقاء صخرة في بركة ماء، قد يكون الارتطام الفوري قوياً، لكن التموجات تنتشر في دوائر متسعة. وقد تشمل هذه التموجات تعطيل طرق التجارة، ونقص الغذاء، وارتفاع التضخم، وتدفقات اللاجئين، وانتشار الأمراض، وتفشي التطرف السياسي، وتدهور البيئة. وفي كثير من الحالات، تُثبت هذه الآثار الثانوية أنها أشد وطأة من الحملة العسكرية نفسها.
ويُقدم التاريخ أمثلةً لا حصر لها في هذا المجال. فالحرب العالمية الأولى لم تُؤدِ إلى مجازر في ساحات المعارك فحسب، بل أدت أيضاً إلى انهيار الإمبراطوريات، وإلى الثورة الروسية، وإلى ظهور جائحة الإنفلونزا التي حصدت أرواحاً أكثرَ مِن الحرب نفسها. وخلال الحرب العالمية الثانية، أودت مجاعةُ البنغال عام 1943 بأرواح الملايين، ليس لأن بنغلاديش كانت ساحة معركة، بل لأن سياسات بريطانيا واليابان الحربية ساهمت في تعطيل ومصادرة الإمدادات الغذائية وأنظمة النقل. وأشعلت الحربُ العربية الإسرائيلية في عام 1973 فتيلَ الحظر النفطي الذي أغرق الاقتصادَ العالمي في ركود. ويُحدث الصراع الحالي في الخليج تداعياتٍ واسعةَ النطاق. فقد ترتبت على إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم، عواقب إنسانية واقتصادية فورية. وأصبح آلاف البحارة عالقين في عرض البحر، غير قادرين على مغادرة الخليج، وارتفعت تكاليف التأمين على الشحن بشكل كبير، كما ارتفعت أسعارُ النفط بشكل حاد، مما زاد الضغوطَ التضخميةَ في جميع أنحاء العالم.
ولا يقتصر هذا التأثير على منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل يمتد ليشمل ملايين العمال من الهند وباكستان وبنغلاديش وسريلانكا الذين يعتمدون على وظائفهم في الخليج ويرسلون تحويلات مالية إلى عائلاتهم في بلادهم. ويهدد أيُّ اضطراب طويل الأمد في النشاط التجاري تلك التدفقات المالية، مما يعرّض الأوضاعَ المالية للأسر في جميع أنحاء جنوب آسيا للخطر. وما يبدأ كنزاع إقليمي قد يتحول سريعاً إلى صدمة اقتصادية عالمية.
ويعتبر ذلك درساً تاريخياً متكرراً، إذ نادراً ما يظل تأثير الحروب محصوراً في نطاق المعارك، فهي تُطلق قوى يصعب التنبؤ بها، بل وتصعب السيطرة عليها. وقد تعتقد الحكومات أنها قادرة على توجيه العمل العسكري لتحقيق أهداف محدودة، لكن آثاره الجانبية نادراً ما تكون محدودة.
وكلما طال أمد الصراع، ازدادت هذه الآثار الجانبية، حيث ستبقى أسواقُ الطاقة متقلبةً حتى بعد انتهاء الحرب. وسيكون فتح المضايق خبراً إيجابياً، لكن سيستغرق الأمر شهوراً لاستئناف سلاسل إمداد المنتجات النفطية اللازمة للعديد من المهام إلى جانب النقل. وستستمر تأخيرات الشحن، وقد تتفاقم الضغوط التضخمية، بل وقد يمتد عدم الاستقرار السياسي إلى دول بعيدة عن ساحة المعركة.
لذا، لا تُقاس التكلفةُ الحقيقيةُ للحرب بالقنابل التي أُلقيت والصواريخ التي تم اعتراضها فحسب، بل أيضاً بالعواقب الخفية التي تتكشف مع مرور الوقت. وغالباً ما تكون تلك العواقب هي الأكثر استمراراً والأعمق أثراً. وبعبارة أخرى، تصبح الآثار الجانبية هي القصة الحقيقية.
وقد تشمل هذه الآثار ترتيباتٌ أمنيةٌ جديدةٌ بشكل كامل وتحالفاتٌ سياسيةٌ مختلفة. كما قد تدل على مستقبل الموقف العالمي للولايات المتحدة والتزاماتها تجاه العلاقات الأمنية مع أوروبا وشرق آسيا. فهل ستضطر إدارة ترامب إلى إعادة النظر في أولوياتها ومواصلة الانخراط العميق في أمن الشرق الأوسط، أم سيواصل حلفاؤُها في المنطقة خطواتِهم نحو تنويع شراكاتهم الاستراتيجية؟
إن الأشهر القليلة المقبلة ستكون لها تداعياتٌ بعيدةُ المدى ستؤثر على جميع منطقة الشرق الأوسط وعلى مناطق أخرى مختلفة.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال إنترست - واشنطن
إقرأ المزيد


