السياسات الأميركية.. ورؤية الشعوب العربية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

من أبرز أسباب إشكالية السياسة الأميركية في الشرق الأوسط رفض صانعي القرار مراعاة تأثيرها على احتياجات الشعوب العربية. أما مع إسرائيل، فالوضع مختلف، فالاهتمام المفرط بالمخاوف الإسرائيلية، إلى جانب تجاهل آراء العرب حول تصرفاتنا، أديا إلى انقسامات عميقة بين العرب والولايات المتحدة، وكذلك داخل العالم العربي نفسه.
ومنذ عام 2000، أجرينا أكثر من 50 استطلاع رأي دولياً حول مواضيع متنوعة. واستكشفنا خلالها مواقف العرب تجاه بعضهم بعضاً، وتجاه الولايات المتحدة والصين وروسيا وإيران وإسرائيل. كما درسنا مواقفهم تجاه الصراعات في المنطقة.
ومرَّ أكثر من عامين على آخر استطلاع رأي أجريناه في العالم العربي، ولكن بناء على ما شهدناه من تطورات خلال عقدين ونصف عقد من العمل، يتضح أن السياسات الأميركية تتجه نحو كارثة، ليس فقط بالنسبة للولايات المتحدة وأهدافها المعلنة، بل والأهم، بالنسبة للشعب العربي.
وفيما يلي بعض الملاحظات المستخلصة من الاتجاهات التي كشفتها استطلاعاتنا:
 بعد أحداث 11 سبتمبر، صرح الرئيس جورج بوش تصريحاً شهيراً: «إنهم يكرهوننا لأنهم يكرهون قيمنا». لكن استطلاعنا الذي أجريناه عام 2002 أظهر عكس ذلك، حيث ينظر العرب بإعجاب إلى الشعب الأميركي ومنتجاته وتعليمه وقيمه، لكنهم استاؤوا بشدة من السياسات الأميركية تجاه العالم العربي، لاسيما التي تتعلق بالفلسطينيين. وكما قلت خلال جلسة استماع في الكونجرس حول الاستطلاع: «العرب يحبوننا ويحبون قيمنا، لكن ما يزعجهم هو أننا لا نطبق هذه القيم عليهم».
وأدت حرب بوش على العراق وإهماله للفلسطينيين إلى مزيد من تراجع شعبية الولايات المتحدة، التي عادت وارتفعت مع وعود أوباما بالتغيير، لكنها تراجعت عندما لم يفِ بتلك الوعود. تراجعت المواقف بشكل حاد مع سياسات ترامب المؤيدة لإسرائيل والمعادية للمسلمين.
وبحلول أواخر عام 2023، أظهر استطلاعنا الأخير متعدد الدول أن دعم الرئيس بايدن للحرب الإسرائيلية على غزة قد ولد ردود فعل سلبية أقوى. ومما زاد الأمر سوءاً، أن التعقيدات الناجمة عن سياسات الرئيس ترامب والحرب على إيران، إلى جانب هجومه على أبرز عناصر القوة الأميركية التي كانت تحظى باحترام عالمي، مثل جامعاتنا، وحرية الصحافة، وسياسة الهجرة، جعلت من المرجح أن يجد العرب صعوبة الآن حتى في الإعجاب بالقيم الأميركية.
وعلى مر السنين، أجرينا استطلاعات رأي متكررة حول المواقف الإيجابية والسلبية تجاه الصين والولايات المتحدة. وبينما تذبذبت الآراء تجاه الولايات المتحدة، ظلت المواقف تجاه الصين مستقرة. وبحلول نهاية عام 2023، ولأول مرة، أصبحت تقييمات الصين منافسة لتقييمات الولايات المتحدة في مجالات كانت تُعتبر سابقاً نقاط قوة للولايات المتحدة مثل التعليم ومناخ الأعمال التجارية.
 ولطالما كان دعم الفلسطينيين هو الشاغل الرئيسي للعرب، مع إبداء اهتمام ضئيل بالسلام مع إسرائيل، حتى في الدول التي وقَّعت اتفاقيات سلام معها. ومع تصاعد القمع الإسرائيلي للفلسطينيين، وعجز القيادة الفلسطينية المنقسمة والفاقدة للرؤية عن إلهامهم، بدأ الرأي العام العربي يتغير. وفي أواخر عام 2019، سألنا العرب عما إذا كانوا يرون أن السلام مع إسرائيل أمر مرغوب فيه، حتى لو لم تقبل إسرائيل بشروط مبادرة السلام العربية، فجاءت غالبية الآراء بالإيجاب، لأن الكثيرين يرون أن ذلك قد يُسهم في إنهاء العنف، ويمنح العرب نفوذاً أكبر لإقناع إسرائيل بمنح الفلسطينيين حقوقهم.
وكررنا السؤال نفسه في نهاية سبتمبر 2023، وكانت النتائج مختلفة بصورة لافتة. فقبل السابع من أكتوبر، كانت الإجابات مشابهة لما كانت عليه في 2019، لكن بحلول نهاية أكتوبر، وتحت تأثير شدة الهجوم الإسرائيلي على غزة، تحولت المواقف جذرياً ضد أي محاولة للتعامل مع إسرائيل. وبعد ثلاث سنوات، يمكن الافتراض منطقياً أن هذا الوضع لم يتغير.
وفي عامي 2024 و2025، أجرينا ثلاث جولات استطلاع رأي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكانت النتائج مقلقة. فقد نجحت السياسة الإسرائيلية في تشويه سمعة السلطة الفلسطينية، وإضعاف قدرتها على الحكم. وانقلب الرأي العام في الضفة الغربية ضد السلطة الفلسطينية. وفي غزة، وجدنا أن «حماس» قد فقدت شعبيتها بشكل كبير، حيث فضَّلت أغلبية كبيرة من سكان غزة السلطة الفلسطينية.

وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل تدمير غزة، وتمارس سياسات قمعية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ما يزيد غضب الفلسطينيين ويقوِّض مكانة السلطة الفلسطينية. ومع ذلك، ترفض إسرائيل أي دور للسلطة الفلسطينية في غزة. وبينما يتفاقم الوضع، تتجاهل الولايات المتحدة رغبات الفلسطينيين، وتغض الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية.

* رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن

 



إقرأ المزيد