جريدة الإتحاد - 5/16/2026 11:43:42 PM - GMT (+4 )
يعتبر المحللون الأميركيون أن التقدير المبدئي الذي وضعته وزارة الحرب الأميركية للتكلفة المباشرة للصراع مع إيران، البالغ 25 مليار دولار، منخفضاً، ويرون أن التكلفة الحقيقية لهذه الحرب أعلى بمراحل، إذ يجب أن تشمل تكاليف الفرص الاستراتيجية الضائعة نتيجة مشاكل أخرى أكثر إلحاحاً، والتي أصبح التعامل معها شبه مستحيل، مثل كوريا الشمالية.
ولعقود، صنّف الرؤساء الأميركيون، بشكل غير مدروس، نظام بيونغ يونغ الديكتاتوري ضمن قائمة «أعداء» آخرين في الشرق الأوسط، مثل مصطلح «محاور الشر». ويمكن القول إن كوريا الشمالية كانت تمثّل أكبر تهديد للولايات المتحدة وحلفائها.
وفي كل مرة حشدت فيها الولايات المتحدة قوتها العسكرية ضد أهداف أخرى، العراق وأفغانستان والآن إيران، ازدادت اقتناع بيونغ يانغ بأن السبيل الوحيد لردع أي هجوم أميركي هو امتلاكها أسلحة نووية؛ ليس عدداً محدوداً، بل كمية كافية للتغلب على الدفاعات الصاروخية الأميركية.
وهناك مشهد تلفزيوني لا يُنسي من ديسمبر عام 2002، حين كانت الشاشة منقسمة بين الاستعدادات الأميركية لغزو العراق، وبين لقطات مباشرة لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهم يُطردون من كوريا الشمالية. وبعد شهر واحد فقط، انسحبت بيونغ يانغ من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ثم أجرت أول تجربة نووية بعد خمس سنوات.
وبعد 20 عاماً أخرى من فشل المحاولات الأميركية لنزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية، يمتلك كيم جونغ أون ترسانة نووية هائلة خطيرة؛ إذ تُقدر بنحو 50 رأساً نووياً، إضافة إلى كمية كافية من اليورانيوم المخصّب لصنع 50 أخرى. كما تنتج كوريا الشمالية مواد انشطارية تكفي لإضافة نحو 20 رأساً نووياً سنوياً إلى أجل غير محدد. ويبدو أن هدفها الأدنى هو الوصول إلى مستوى قريب من القوى النووية مثل فرنسا أو بريطانيا، اللتين تمتلك كل منهما أكثر من 200 رأس نووي.
وتتراوح أسلحة كيم بين رؤوس نووية تكتيكية «صغيرة» نسبياً، تعادل انفجار هيروشيما، يمكنه استخدامها في معركة ضد كوريا الجنوبية، وقنابل نووية حرارية ضخمة قادرة على تدمير مدن أميركية بأكملها. كما تطوّر كوريا الشمالية نحو 20 نظام إطلاق، تشمل صواريخ باليستية عابرة للقارات قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة، وغواصات قادرة على التخفي وإطلاق صواريخها حتى بعد هجوم أميركي استباقي على منصات الإطلاق الأرضية لكوريا الشمالية.
ومع إدراك كيم ضعف بلاده عسكرياً استنتج أن تلك الترسانة النووية «القابلة للنجاة» هي ما يلزم لردع خصومه، كما عدل كيم عقيدة كوريا الشمالية ليسمح لها باستخدام الأسلحة النووية أولاً (أي هجومياً) إذا ساءت الأمور.
ويؤكد هذا التناقض افتراضات كيم القديمة بأن كوريا الشمالية لن تكون مثل أوكرانيا، التي تخلّت في التسعينيات عن أسلحتها النووية مقابل ضمانات أمنية من الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا. ولن تكون مثل العراق أو ليبيا، اللتين كان لهما حكام مستبدون تخلوا عن برامجهم النووية ودفعوا حياتهم ثمناً لذلك. وكما يُمثّل مضيق هرمز أهمية بالغة لطهران، تُمثل الأسلحة النووية أهمية بالغة لبيونغ يانغ.
ويرى بعض الخبراء أن كيم «سعيد على الأرجح» بتطورات الشرق الأوسط. فالبنتاغون اضطر إلى نقل قوات وذخائر من مناطق أخرى في آسيا إلى ساحة الحرب الإيرانية، بما يشمل صواريخ دفاعية، استُنزف نحو نصفها.
وحتى إذا انتهت الحرب العام الحالي وأعادت الولايات المتحدة ترتيب صفوفها، يُرجح أن تخصص الموارد نفسها للدفاع عن حلفائها في شرق آسيا كما وعدت قبل أشهر فقط.
ومنذ فشل قمتيه مع ترامب عامي 2018 و2019، أنهى كيم عزلة بلاده، وعزز تحالفاً ثلاثياً متنامياً مع روسيا والصين. فقد وقع اتفاقية دفاع مشترك مع روسيا عام 2024، وأرسل جنوداً كوريين شماليين للقتال ضد الأوكرانيين مما أكسبهم خبرة في حرب الطائرات المسيرة. وردت موسكو بالمثل من خلال التجارة والخبرات التقنية اللازمة لتطوير ترسانة أسلحة متطورة، مثل الصواريخ العابرة للقارات.
كما عززت الصين تجارتها مع كوريا الشمالية. وبدأت كل من الصين وروسيا، بوصفهما عضوين دائمين بمجلس الأمن الدولي، في حماية بيونغ يانغ من تنفيذ عقوبات الأمم المتحدة.
*رئيس التحرير السابق لصحيفة «هاندلسبلات غلوبال» الألمانية
*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


