ماذا بعد الغرب؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

«ماذا بعد الغرب؟»، هو عنوان الكتاب الذي أصدره مؤخراً وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هيبرت فدرين وعالم الأنتروبولوجيا الشهير موريس غودلييه. الكتاب يتناول الأزمة العميقة التي تعرفها راهناً العلاقات ما بين جناحَي الغرب، أي الولايات المتحدة وأوروبا، بما يفرض السؤالَ المطروحَ حول شرعية الحديث عن هوية حضارية واستراتيجية جامعة.
الأمر هنا لا يتعلق بالنسبة للمؤلفَين بخيارات أميركية ظرفية تتعلق بالرئيس الحالي دونالد ترامب، بل بتحول نوعي يتصل بدعامتَي الغرب، وهما تركة الأنوار والرابطة الأطلسية المتولدة عن النظام الدولي القائم بعد الحرب العالمية الثانية.
 وبخصوص تركة الأنوار، أصبح من البديهي بالنسبة للمؤلفَين، أن الجهتين تختلفان أشد الاختلاف في فهْم وتصور قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والتبادل الحُر، رغم التشبث الظاهر لدى الفريقين بهذه القيم.
وبخصوص الحلف الاستراتيجي، كشفت الأحداثُ الأخيرة أن القطيعة تزايدت بين الولايات المتحدة وأوروبا، ولم تَعُد الرابطة الأطلسية المتآكلة قادرةً على ترميم هذه الروابط المتداعية.
قبل شهور صرّح زعيمان أوربيان بارزان، هما الرئيس الفرنسي أمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريديرش ميرتس، أن دول الاتحاد الأوروبي لا بدّ أن تفكر في رسم مستقبل سياسي وأمني من دون مظلة أميركية، مع ما يتطلب هذا الخيار من تضحيات جسيمة. بل إن الرئيس الأميركي ترامب لم يستبعد في سياق الأزمة الإيرانية الحالية الانسحابَ الكلي من حلف «الناتو»، متخلياً عن نمط الشراكة الوطيدة مع أوروبا، وهي شراكة حفظت السلم في القارة خلال ثمانين سنة الأخيرة.
 والواقع أن ما تناوله الكتابُ ليس سوى الجانب الظاهر من المعادلة التي يمكن التطرق إليها من ثلاث زوايا متباينة:
- الصراع الداخلي ضمن منظومة الحداثة والتنوير الغربية، والذي نادراً ما يتم الوقوف عنده. فمن البديهي أن قيم الحرية الفردية والديمقراطية الانتخابية والرأسمالية الصناعية، وإن كانت مشتركة داخل العالم الغربي، إلا أنها أفرزت مقارباتٍ متباينةً تتجلى في التناقض بين الليبرالية المحافظة والليبرالية التقدمية، والرأسمالية الفردية والرأسمالية الاجتماعية، والديمقراطية التنافسية والديمقراطية الإجماعية.. إلخ. وما نعيشه راهناً هو استفحال الاستقطاب الداخلي في نطاق هذا النموذج المشترك على خط التمايز بين الولايات المتحدة وأوروبا، وداخل الحقل السياسي الأوروبي الضيق.
- أوجه الصدام المتولدة عن مرحلة ما بعد الحرب الباردة: فمن المعروف أن الصراع الأيديولوجي الاستراتيجي الذي مزّق العالم بعد الحرب العالمية الثانية، فرض تكتلَ القوى الغربية على ضفتَي المتوسط في مواجهة الخطر السوفييتي الشيوعي. ومع زوال هذا الخطر، تبلورت توجهات فكرية جديدة، ذهب بعضُها إلى ضرورة بناء قطب أوروبي مستقل عن الولايات المتحدة ومنافس لها، في حين تزايدت النزعةُ الوطنيةُ الانكفائيةُ الأميركية بما تعنيه من تقليص المسؤوليات الخارجية ومراجعة سياقات التحالف التقليدية. كما برز خطاب العولمة الكونية بديلاً عن الاستقطاب الاستراتيجي الذي طبع حقبةَ الحرب الباردة. وما نعيشه اليوم مع الظاهرة الترامبية هو انفجار هذا الصدام في اتجاه مزدوج قوامه تنامي النزعة القومية الأميركية في مواجهة خطاب العولمة واستبدال معيارية القيم المشتركة بالمصالح المتبادلة.
- تراجع الموقع الاستراتيجي والاقتصادي والعلمي للغرب في الإطار الدولي الواسع، بما نلمسه في تنامي القوى الآسيوية الصاعدة، وبصفة خاصة الصين، وانتقال روسيا من خطاب اللحاق بالغرب إلى زعامة المجال الأوروآسيوي، وبروز كتلة الجنوب الشامل التي هي الصياغة الجديد للمشروع الأفروآسيوي القديم. إن هذا التحول الهائل ينعكس بحدة على الخطاب السياسي الغربي، في مكونَيه الأميركي والأوروبي، وإن بصيغ متباينة.
 والسؤال الذي يطرحه فدرين وغودلييه هو: هل لا زال الغربُ قادراً على تحويل قيمه الذاتية التي ضمنت تفوقَه التاريخي إلى معايير كونية للنهوض والتحديث والتحرر الفردي والاجتماعي؟
لا شكّ في أنه سؤال مشروع، بيد أنه لا بدّ من التمييز بين غرب يدعو إلى الرجوع للتقاليد الدينية والروح القومية ويرفض نظامَ توازن السلطة الذي ضمن للأنظمة الليبرالية الاستقرار السياسي والاجتماعي، وغرب يتبنّى الانتقالَ من الوطنية الضيقة إلى الكونية العالمية ويمنح الأولويةَ لمنطق التقدم على اعتبارات الهوية والسيادة.
في خطاب نائب الرئيس الأميركي في ميونيخ السنة الماضية، اعتبر «جي دي فانس» أن أوروبا دخلت في مأزق التراجع الديمقراطي نتيجةً للحد من حرية التعبير وضياع الهوية القومية، منوهاً بالأحزاب الشعبوية الأوروبية التي تصدر عن خيار الديمقراطية غير الليبرالية والدولة التنفيذية القوية. وقد جرَّ هذا الخطابُ امتعاضاً واضحاً في أوروبا، إلى حدّ أن مسؤولاً ألمانياً كبيراً علّق عليه بالقول إن الولايات المتحدة خرجت من المنظومة الليبرالية وأصبحت تهددها داخل أوروبا.
بيد أن الحقيقة الراسخة هي أن هذا الجدل حول الليبرالية والديمقراطية انتقل، بالفعل وبحدة، إلى داخل الساحة السياسية الأوربية نفسها.


*أكاديمي موريتاني



إقرأ المزيد