جريدة الإتحاد - 5/17/2026 11:07:32 PM - GMT (+4 )
لم تَعُد العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين مجرد تنافس تقليدي بين قوتين عظميين، بل تحوّلت خلال العقود الأخيرة إلى صراع مركّب على قيادة النظام الدولي، وإعادة تعريف موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية في العالم. فالعلاقة التي بدأت منذ انفتاح الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون على بكين عام 1972، ثم تطوّرت لاحقاً إلى شراكة اقتصادية ضخمة، دخلت اليومَ مرحلةً مختلفة تقوم على إدارة التنافس ومنع الانفجار.
لقد عملت الولايات المتحدة لعقود على دمج الصين في الاقتصاد العالمي، على أمل أن يؤدي النمو الاقتصادي الصيني إلى تحوّل سياسي تدريجي يقرّب بكين للنموذج الغربي. غير أن ما حدث كان العكس تماماً، إذ تحوّلت الصين إلى قوة اقتصادية عالمية منافسة لواشنطن، في التجارة والصناعة والتكنولوجيا والطاقة والنفوذ الجيوسياسي. ومن هنا بدأت ملامح «الحرب الباردة الجديدة»، ولكن بأدوات أكثر تعقيداً وأقلَّ أيديولوجية مِن أدوات الحرب الباردة التقليدية مع الاتحاد السوفييتي.
وفي هذا الإطار جاءت زيارة الرئيس دونالد ترامب لبكين، بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ، في الفترة بين يومي 13 و15 مايو الجاري، وسط اهتمام دولي ملحوظ، لتؤكد أنَّ الصراع بين القوتين العظميين لا يُلغي في الوقت ذاته الحاجةَ المتبادلة إلى الحوار وإدارة المصالح. فالزيارة لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي بين زعيمين، بل عكست إدراكاً أميركياً متزايداً بأن احتواء الصين بشكل كامل لم يَعُد خياراً، وبأن إدارة التنافس باتت أكثر أهميةً مِن فكرة المواجهة المفتوحة. وقد أدرك الرئيس الأميركي، في الآونة الأخيرة، أن الصين شريك اقتصادي هائل يصعب فصله عن الاقتصاد العالمي، أو الاستغناء عن دوره في الصناعة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية.
كما حملت الزيارةُ رسائلَ متبادلةً تتجاوز حدودَ العلاقات الثنائية. فمن الجانب الأميركي، أرادت واشنطن التأكيدَ على أنها قادرة على الجمع بين الرّدع والتفاوض، وبين المنافسة والانفتاح الاقتصادي. أما بكين، فسعت إلى تقديم نفسها باعتبارها قوةً دوليةً مستقرّةً، وقادرةً على التفاوض مع الولايات المتحدة من موقع الندّية لا التبعية، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصادُ العالمي وتراجع الثقة في النظام الدولي التقليدي.وتكتسب الزيارةُ أهميةً مضاعفةً إذا ما وُضعت في سياق التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، سواء ما يتعلق بالملف الإيراني أو أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز. فالولايات المتحدة تدرك أنَّ أيَّ تصعيد عسكري واسع في المنطقة لن يؤثّر فقط على أسواق الطاقة، بل سيصيب الاقتصادَ العالمي بأكمله، بما في ذلك الصين التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات النفط القادمة من الخليج العربي. ومن هنا تبدو بكين وواشنطن، رغم تنافسهما الحاد، أمام مصلحة مشتركة تتعلق بمنع انفجار إقليمي قد يخلط أولويات النظام الدولي ويهدّد الاستقرار الاقتصادي العالمي في مرحلة تعاني أصلاً من اضطرابات مالية وتباطؤ اقتصادي متزايد.
وفي المحصّلة، يبدو أن كلا الطرفين أدركا أنَّ أيَّ صدام مباشر ستكون كلفته كارثية على الاقتصاد العالمي، ولذلك تتجه العلاقة الآن، أكثر من ذي قبل، نحو إطار استراتيجي أكثر عقلانية، يقوم على «إدارة النفوذ». فالتشابك الاقتصادي العميق بين الطرفين يجعل تكلفةَ الصدام الشامل مرتفعةً للغاية. ومن هنا فإن زيارة ترامب إلى بكين لا يمكن قراءتها كحدث عابر، بل كمؤشّر واضح على أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة قطيعة كاملة بين واشنطن وبكين، وإنما مرحلة معنيّة بإعادة ضبط العلاقة بين أكبر قوتين في العالم، وفق قواعد جديدة تحكمها المصالح المشتركة لا الشعارات.
*كاتبة إماراتية
إقرأ المزيد


