جريدة الإتحاد - 5/17/2026 11:35:59 PM - GMT (+4 )
تعهّد كيفن وارش، الذي من المقرر أن يتولى رئاسةَ مجلس الاحتياطي الفيدرالي في غضون أيام، بتحسين آلية جمع بيانات التضخم وتحليلها. إلا أن مهمته أكبر من ذلك، فالإحصاءات الرسمية، التي تُعد أساسية في صياغة السياسات للاقتصاد الأميركي الضخم والمعقد، تواجه تحديات من جهتين، وسيقع عبء تلك الضغوط على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد. وكان الرئيس دونالد ترامب قد أقال مفوضةَ مكتب إحصاءات العمل الأميركي السابقة إريكا ماكنتارفر، العام الماضي، بسبب تقرير للوظائف اعتبره غير ملائم، وطالب بتخفيض أسعار الفائدة دون أن تدعمه البيانات. بما يضع ضغطاً سياسياً مباشراً على مُنتجي الأرقام الرسمية.
أما الضغط الآخر فيأتي من السوق، فهناك إحصاءات بديلة تتجاوز توقعات الاقتصاديين، وتنقل النقاش السياسي مباشرة إلى الساحة العامة. ويُعد استطلاع جامعة ميشيغان طويل الأمد لتوقعات التضخم للمستهلكين مثالاً على هذه المشكلة، حيث أصبح الاستطلاع بالفعل مقياساً حزبياً بدلاً من كونه مؤشراً محايداً. ومن الأمثلة الأخرى مؤشر معدل البطالة الحقيقي الصادر عن «معهد لودفيغ» للرخاء الاقتصادي المشترك، الذي يُقدر «البطالة الوظيفية» بنسبة 23.6%، أي أكثر من خمسة أضعاف النسبة الرسمية البالغة 4.3% في مارس الماضي.
لكن هذا الرقم لا يكشف بطالة مخفية، بقدر ما يُعيد تعريف البطالة نفسها، إذ يضم العاطلين عن العمل والعاملين بأجور منخفّضة والعمالة الناقصة في سلة واحدة، وهي ظواهر مختلفة تتطلب قياسات وسياسات مختلفة. ورغم أن تلك الضغوط تبدو متناقضة، إلا أنها تنبع من ضرورة تجاوز القياسات التقنية بالإرادة السياسية. وما يزيد من تعقيد مهمة وارش هو أن الأرقام الرسمية تتلاشى تدريجياً، وأن بعض البدائل المطروحة تسدّ ثغرات حقيقية. لنأخذ مثلاً تقرير الوظائف الشهري الصادر عن مكتب إحصاءات العمل، وهو الرقم الذي يؤثّر على الأسواق ويُحدّد قرارات أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي. ويعتمد المكتب في إعداد هذا التقرير على استطلاع رأي لأصحاب العمل، إلا أن نسبة المشاركين فيه تراجعت إلى 43% فقط، ما يفتح المجال أمام تعديلات جذرية قد تُغيّر نظرتنا إلى سوق العمل. هذا ما حدث في وقت سابق من العام الحالي عندما خفّض مكتب إحصاءات العمل تقديرات زيادة الوظائف المُعلن عنه في العام السابق بنسبة 70%. وتبين أن سوق العمل، الذي بدا متماسكاً، كان يعاني من الركود، بل إن بيانات مؤشر أسعار المستهلك الصادرة في أكتوبر الماضي فُقدت بالكامل بسبب إغلاق الحكومة.
وحتى عندما تكون الأرقام الرسمية دقيقة، فإنها تصدر متأخرةً شهرياً، ثم ربع سنوي، ثم تُراجع في العام التالي.ويتبنّى جيلٌ جديدٌ في القطاع الخاص منظوراً مختلفاً، إذ يوفر لتقرير التوظيف الوطني الصادر عن شركة الأبحاث «إيه دي بي»، والمبني على بيانات رواتب فعلية من 26 مليون عامل، صورةً حقيقية لسوق العمل خلال الأسبوع. كما يجمع موقع «تروفليشن» بيانات الأسعار عبر الإنترنت يومياً. أما شركة «كالشي»، وهي سوق تنبؤات خاضعة للتنظيم الفيدرالي، فتسمح برهانات مستمرة على إصدار مؤشر أسعار المستهلك القادم، وتجمع آراء كل مَن يرغب في استثمار أمواله في التوقعات، إلا أنها تُعتبر آراء عامة غير دقيقة. وقد بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه يدرك ذلك.
ففي دراسة صدرت عام 2024 حول «صعود الأسواق الاقتصادية الكبرى»، وجد باحثو المجلس أن توقعات «كالشي» بشأن التضخم تضاهي، بل تتجاوز متوسط توقعات اقتصاديي «وول ستريت»، الذي تجمعه بلومبيرغ بشأن أسعار المستهلك على أساس سنوي. وقد تطابق نمط توزيع كالشي مع سعر الفائدة الفيدرالية المحققة في كل اجتماعات لجنة تحديد أسعار الفائدة بالبنك المركزي منذ عام 2022، وهو إنجاز لا يمكن تحقيقه، لا من خلال استطلاعات الرأي الاحترافية، ولا من خلال العقود الآجلة للفائدة الفيدرالية. يتمثل التحدي الأسهل أمام «وارش» في دمج البيانات الموثوقة والمختبرة، والتي تُعتبر بمثابة مرآة رؤية خلفية، مع المحاولات الأوسع نطاقاً والأكثر تعقيداً، للنظر إلى المستقبل. وستكون مهمته الأصعب هي رفض الفئة الثالثة من البدائل رفضاً قاطعاً، والتي لا تُعد أسرع أو أفضل، بل مجرد أكثر صخباً. ويُعد مؤشر لودفيغ «المعدل الحقيقي للبطالة» المثال الأبرز على ذلك، فهو يخلط بين الأجور المنخفضة والبطالة، رغم تعارض السياسات التي تعالج هاتين الظاهرتين.
كما ينبغي على الاحتياطي الفيدرالي دمج تدابير وقائية بشكل صريح في إطار سياسته، مثل توقعات التضخم المستخلصة من السوق، إلى جانب معدل التضخم الأساسي المُستمد من سوق سندات الخزانة، ومؤشر أبحاث «إيه دي بي»، إلى جانب مؤشر مكتب إحصاءات العمل، مع اعتبار الاختلافات معلومات قيمة وليست مجرد تشويش، ومؤشرات الأسعار عالية التردد إلى جانب مؤشر أسعار المستهلك الشهري. وعليه أن يقاوم الرغبة في تضخيم كل مقياس بديل يدعم النتيجة المفضلة. وعليه أيضاً الدفاع عن البيانات الرسمية في وجه ضغوط الجهات السياسية، ليس لأنها مثالية، بل لأنها شائعة الاستخدام.
فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى مزيد من الإحصاءات، بل إلى إحصاءات أفضل، في موضعها الصحيح، مع ضرورة التمييز بينها. إن الإغراء الذي سيواجه وارش، سواء في صورة مطالب رئاسية أو في صورة مقاييس خاصة ذات منهجية متشددة، هو ترك العملية السياسية تُحدّد الأرقام. ومهمة رئيس الاحتياطي الفيدرالي القادم هي ببساطة رفض ذلك.
*الرئيس السابق لأبحاث الأسواق بشركة «إيه كيو آر» لإدارة رأس المال.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


