«الإخوان»: المظلة الفكرية للتنظيمات الإرهابية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

مَن يفتش في جذور الإرهاب المعاصر يصل في النهاية إلى الاسم ذاته: سيد قطب. فمع كل تنظيم تكفيري، ومشروع دموي، تظهر أدبيات «الإخوان» وكتاب «في ظلال القرآن» المنبع الفكري الذي تشكّلت منه أخطر تيارات العنف في العصر الحديث. 
ومع سيد قطب خرجت أفكار «الإخوان» من إطار العزلة الشعورية إلى مرحلة التكفير والتنظيم المسلح. ففي «تنظيم 65» التابع للإخوان ظهرت الاغتيالات والتفجيرات، ثم خرجت الجماعات المتطرفة تباعاً، فشكري مصطفى، الذي لازم سيد قطب داخل السجن وتتلمذ على أفكاره، أسّس جماعة «التكفير والهجرة»، وصالح سرية أسّس تنظيم «الفنية العسكرية»، ثم تتابعت التنظيمات الإرهابية من «القاعدة» إلى «داعش» و«بوكو حرام» وغيرها، وكلها خرجت من الجذر الفكري نفسه.
وقد لخّص أيمن الظواهري هذه الحقيقة حين قال: «فلقد كانت وما زالت دعوة سيد قطب إلى إخلاص التوحيد لله والتسليم الكامل للحاكمية ولسيادة المنهج الرباني شرارة البدء في إشعال الثورة الإسلامية ضد أعداء الإسلام». وهي شهادة تكشف كيف تحولت أفكار قطب إلى الوقود الفكري الذي غذّى أخطر التنظيمات الإرهابية.
وتتجلى العلاقة العضوية بين «الإخوان» والتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود في شخصية عبدالله عزام، الذي كان يقود أخطر مراحل تصدير الفكر القطبي إلى الساحات العالمية. ويُعد عزام «جسر العبور»، الذي نقل أيديولوجيا «الإخوان» إلى ساحات القتال العالمية. فقد كان من الوجوه القديمة داخل الجماعة، وتشبّع بأفكار سيد قطب، فرغم أن الرجلين لم يلتقيا بسبب إعدام سيد قطب عام 1966، إلا أن عزام ظل كثير الإشادة بكتبه. 
ألّف عزام عشرات الكتب التي تحوّلت إلى الأدبيات التأسيسية للفكر «الجهادي» المعاصر، كما لعب دور «المربي» لأسامة بن لادن، حتى إن والدة بن لادن تحدّثت عن التحول الجذري الذي أصاب شخصيته بعد ملازمته لعزام. وفي هذا المناخ القطبي تشكّلت النواة الأولى لتنظيم «القاعدة»، حين التقت أفكار عبدالله عزام بأسامة بن لادن وأيمن الظواهري، لتتحول الأيديولوجيا الحركية إلى مشروع إرهابي عابر للحدود. 
وأما «السلفية الجهادية»، فقد اعترف أبو محمد المقدسي بأن الإخوان «أرضعوه الظلال والمعالم وكتب سيد قطب والمودودي»، وهي شهادة تكشف كيف تحوّلت أدبيات سيد قطب إلى المنبع العقائدي الأول لرموز «السلفية الجهادية»، التي جعلت «الولاء والبراء» محوراً مركزياً في تقسيم العالم بين «أهل التوحيد» وخصومهم الذين وُضعوا في خانة «أهل الشرك»على زعمهم، وأنتجوا مفاهيم مكفرة مثل «الفرقة الناجية»، وتقسيم التوحيد، ووصف المتحاكمين إلى القوانين بالطاغوت.
ومن ثم خرج تنظيم «داعش»، النسخة الأكثر توحشاً من التنظيمات المسلحة، فاعتراف يوسف القرضاوي، وهو أحد أبرز رموز «الإخوان»، بانتماء أبي بكر البغدادي إلى «الإخوان» في بداياته يُمثّل نموذجاً واضحاً على مقولة «وشهد شاهد من أهلها». 
وقد روي عن أبي محمد العدناني، المتحدث الرسمي باسم «داعش»، شدة تعلُّقه بكتاب «في ظلال القرآن»، حتى قيل إنه كان يكتبه بخط يده، إلى جانب ملازمته لتفسير ابن كثير.
وهذا الامتداد تجاوز الحدود الجغرافية والمذهبية. ففي نيجيريا تأثّر محمد يوسف، مؤسّس «بوكو حرام»، بأفكار إبراهيم الزكزاكي المرتبط بالإخوان هناك، كما عبر الفكر القطبي إلى دوائر التشيع الراديكالي، فتأثر محمد باقر الصدر تأثراً واضحاً بسيد قطب، وتبنّى فكرة «المجتمع الفرعوني». 
وامتد الفكر «القطبي» إلى تيارات حركية أخرى مثل «السرورية»، التي أسسها محمد سرور زين العابدين بعد تأثره بالفكر «الإخواني» وتتلمذه على مصطفى السباعي. وقد عمل على دمج الفكر «الإخواني» الحركي بالمفاهيم السلفية.
وأمام هذا المشهد المتشابك، بدأت المؤسسات الدولية بإعادة قراءة ملف «الإخوان» من زاوية مختلفة. فجاءت الاستراتيجية الأميركية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 لتربط بصورة مباشرة بين «الإخوان» وتنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش» و«حماس»، ووصفت الجماعة بأنها «المظلة الفكرية»، التي شرعنت العنف العابر للحدود والإرهاب.
كما أسقط هذا التحول السردية التي روّجت لها الجماعة لعقود داخل أوروبا تحت عنوان «الإسلاموية القانونية». فالتجارب المتراكمة كشفت أن العمل تحت سقف القانون كان جزءاً من استراتيجية التغلغل وإعادة إنتاج التطرف بصيغ مختلفة. 
وفي الوقت الذي بدأت فيه عواصم غربية تُراجع قراءتها المتأخرة للجماعة، كانت دولة الإمارات قد سبقت هذا التحول بسنوات عبر مقاربة فكرية وأمنية. فقد انطلقت الإمارات في مواجهتها للتطرف من قراءة مبكّرة لطبيعة البنية الفكرية التي تقوم عليها جماعة «الإخوان»، أحد أهم المنابع الأيديولوجية التي أسهمت في إنتاج تيارات التشدد والعنف المعاصر.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية. 



إقرأ المزيد