جريدة الإتحاد - 5/20/2026 11:32:48 PM - GMT (+4 )
على مدى أسابيع، انصب اهتمام وسائل الإعلام على ما إذا كان تفشي فيروس «هانتا» على متن سفينة سياحية، والذي أودى بحياة ثلاثة أشخاص، قد يؤدي إلى جائحة أخرى. وجاءت الإجابة بالنفي بشكل شبه مؤكد. لكن في الوقت نفسه، يتفاقم وضع صحي أكثر خطورة دون أن يحظى بالاهتمام الكافي، وهو تفشي الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وقد أودى هذا التفشي بالفعل بحياة أكثر من 100 شخص، ويُشتبه في إصابة نحو 400 آخرين، من بينهم حالة مؤكدة لطبيب أميركي. وتُعد الإيبولا مرض فيروسي نادر ولكنه شديد الفتك، حيث يبلغ متوسط معدل الوفيات فيه 50%. وفي بعض حالات التفشي السابقة، وصلت نسبة الوفيات بين المصابين إلى 90%.
وقد يرجع ذلك إلى أن الأعراض المبكرة للإيبولا غير محددة وتُشابه أعراض أمراض أخرى، مثل الحمى وآلام العضلات والإرهاق، لذلك قد يخطئ الأطباء في تشخيصه في مراحله المبكرة على أنه ملاريا أو إنفلونزا أو غيرها، وقد لا يستخدمون معدات الوقاية المناسبة، مما يُعرضهم للعدوى. وخلال تفشي الإيبولا في غرب أفريقيا بين عامي 2014 و2016، والذي أودى بحياة أكثر من 11 ألف شخص، أصيب أكثر من 800 من العاملين في مجال الرعاية الصحية، وتوفي ثلثاهم، حيث كانت خسارة فادحة لدول كانت تعاني أصلاً من نقص حاد في الأطباء والممرضين.
أما الأعراض اللاحقة فهي مرعبة، إذ يُلحق الفيروس الضرر بالأوعية الدموية ويُعطل قدرة الجسم على تجلط الدم، مما يؤدي إلى نزف داخلي، وفشل الأعضاء، وصدمة جسدية حادة. وقد يتقيأ المرضى ويسعلون دماً، وينزفون من اللثة والمستقيم، ويتسرب الدم من مواضع الحقن الوريدي. ثم يتبع ذلك جفاف حاد وانهيار في القلب والأوعية الدموية، لينتهي الأمر بالوفاة.
ورغم أن الإيبولا لا ينتقل عبر الهواء، فإنه شديد العدوى عن طريق الاتصال المباشر بسوائل الجسم مثل الدم واللعاب والقيء أو الإسهال. وقد يُصاب الأشخاص بالعدوى عن طريق لمس الفراش والملابس والأشياء الملوثة، أو عن طريق لمس جثمان شخص توفي بسبب المرض.
وكانت غالبية حالات التفشي السابقة، بما يشمل وباء غرب أفريقيا، ناجمة عن سلالة متحورة من فيروس إيبولا تُعرف باسم سلالة زائير، نسبة إلى الاسم السابق للكونغو. ونتيجة لذلك، ركّزت الأبحاث بشكل مكثّف على هذا الفيروس، مما أدى إلى تطوير لقاح وعلاجين معتمدين بالأجسام المضادة، ما يُحسن فرص النجاة. أما الفيروس المسبب للتفشي الحالي، والذي يُطلق عليه سلالة بونديبوجيو، فلا يوجد له لقاح معتمد ولا علاج مُثبت فعاليته حتى الآن.
كما أن الاختبارات السريعة القياسية صُممت في الأساس للكشف عن سلالة زائير، لذا قد تخفق في رصد حالات الإصابة بسلالة بونديبوجيو. ويعني ذلك ضرورة إرسال العينات إلى مختبرات متخصّصة لتأكيد الإصابة، وهو ما ساهم في تأخير الاكتشاف والتشخيص، حسبما صرحت منظمة الصحة العالمية.
وحتى الآن، لم يتم تأكيد سوى نحو 12 حالة، رغم وجود مئات الحالات المشتبه بها. وهو ما يُمثل معضلة كبيرة، فكما رأينا في الأيام الأولى لجائحة كوفيد-19، عندما يُصبح إجراء الاختبارات هو العائق الرئيسي، تمر العديد من الإصابات دون اكتشاف، ويستمر المرضى في نقل العدوى للآخرين دون علمهم.
ويعني ذلك أن حجم التفشي قد يكون أكبر بكثير مما تُشير إليه الأرقام الرسمية. ويزداد القلق بسبب الأوضاع في الكونغو، حيث سُجلت معظم الحالات في مقاطعة إيتوري شديدة الفقر. وقد لا يسعى بعض المصابين إلى الرعاية الطبية مطلقاً، وقد يموتون في منازلهم دون تشخيص، مما قد يُعرض أفراد أسرهم ومقدمي الرعاية للعدوى.
كما ساهمت ممارسات الدفن التقليدية، التي كان المشيعون يمارسونها دون علم مع جثث شديدة العدوى، في تفشي وباء الإيبولا في الماضي. ومما يزيد هذه التحديات تعقيداً فترة حضانة الإيبولا، التي قد تمتد إلى 21 يوماً، ما يعني أن ظهور الأعراض على المصابين قد يستغرق أسابيع.
علاوة على ذلك، تعاني الكونغو من الصراع المسلح وعدم الاستقرار السياسي منذ عقود. وقد سُجلت حالة إصابة واحدة في مدينة غوما الشرقية التي تسيطر عليها حركة 23 مارس المتمردة، مما يحد من قدرة الحكومة على ضمان وصول آمن لعمال الإغاثة الدوليين.
وتشارك البلاد حدودها مع تسع دول، تعاني عدة منها من أنظمة صحية هشة وحالات عدم استقرار مستمرة، من بينها جنوب السودان. ورغم أن الدول المجاورة فرضت إجراءات صارمة لفحص العابرين على الحدود، فإن الفيروس انتشر بالفعل في أوغندا، حيث تم رصد حالتين في كمبالا، العاصمة المكتظة بالسكان ومركز النقل الإقليمي الرئيسي.
وفي الولايات المتحدة الأميركية أعلنت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها يوم الاثنين الماضي حظر دخول على الرعايا الأجانب الذين تواجدوا مؤخراً في الكونغو أو أوغندا أو جنوب السودان. لكن القيود المفروضة على السفر وحدها لن تكون كافية، لاسيما إذا استمر انتشار الفيروس عبر الحدود.والدرس المستفاد من مخاوف الإيبولا السابقة هو أن أفضل وسيلة لحماية الأميركيين هي احتواء التفشّي من مصدره. وقد حذر توم فريدن، الذي قاد مركز مكافحة الأمراض خلال تفشّي 2014–2016، من أن عدد الحالات المبلّغ عنها الآن يفوق بالفعل ما كان عليه الوضع في الأيام الأولى من تلك الكارثة. ويجب على العالم أن يركّز على احتواء هذا التفشّي قبل أن يتفاقم.
* طبيبة طوارئ، وأستاذة مساعدة سريرية في جامعة جورج واشنطن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


