الإمارات والهند.. شراكة استراتيجية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

مع تصاعد الصراع بين إيران والولايات المتحدة، شهدت دولةُ الإمارات العربية المتحدة اعتداءاتٍ متكررةً استهدفت بنيتَها التحتيةَ المدنيةَ من قبل إيران، ومن ذلك العدوان السافر الأخير الذي استهدف الفجيرة بطائرات مسيّرة وصواريخ، مما أسفر عن إصابة ثلاثة عمال هنود. ويُعد استهداف المدنيين والبنية التحتية والمنشآت المدنية جريمة حرب، أي أن إيران انتهكت بشكل صارخ المعايير الدولية المتعارف عليها. وكان رد الهند الرسمي فورياً، حيث أعلنت إدانةَ العدوان، ووصف المتحدثُ باسم الحكومة الهندية استهدافَ البنية التحتية المدنية الإماراتية بأنه «غير مقبول». وقد أدان رئيسُ الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي زار الدولةَ الأسبوع الماضي، هذه الهجمات «بأشد العبارات» خلال محادثاته في أبوظبي.
وجاءت الزيارة التي أداها مودي إلى دولة الإمارات في هذا التوقيت لتؤكد سرعةَ نمو العلاقات بين البلدين، وكيف تعد هذه العلاقات رمزاً للاستقرار في وقت يشهد اضطراباتٍ عالميةً كبرى. واستمر توطد العلاقات الإماراتية الهندية حتى خلال الصراع الإيراني الأميركي، مما يؤكد على أوجه التقارب العديدة التي تتجاوز التحويلات المالية أو إمدادات الطاقة. فمند اندلاع الحرب الإيرانية، تقاربت الهندُ والإمارات بشكل ملحوظ، مع رسالة واضحة من الهند مفادها الدعم الكامل للإمارات، ليس في قضية حصار مضيق هرمز فحسب، بل في قضايا أخرى أوسع نطاقاً.
 وخلال زيارة مودي، اتفقت الهند والإمارات على تعزيز شراكتهما في مجال الطاقة بشكل كبير، حيث تعتزم الإمارات تخزين ما يصل إلى 30 مليون برميل من النفط الخام في الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الهندي، فيما يُعد خطوةً بالغةَ الأهمية تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة للهند، التي تتأثر بشدة بأي انقطاع في تدفق النفط من الخليج العربي وغرب آسيا. وتستورد الهند 90% من احتياجاتها من الطاقة، وتحتاج إلى إمدادات طاقة مستمرة لدعم اقتصادها المتنامي.
وقد أسفرت زيارةُ رئيس الوزراء الهندي عن نتائج كبيرة، تمثلت في توقيع سبع اتفاقيات هامة. وأجرى مودي مباحثات موسعة مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، حيث أشاد بقيادته واهتمامه برفاهية الجالية الهندية. كما استعرض الزعيمان الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الهند والإمارات، وسبل توسيع التعاون في العديد من القطاعات الرئيسية. وبرز التعاون الدفاعي على وجه أوضح بعد اتفاق البلدين على إطار عمل للشراكة الدفاعية الاستراتيجية. وبموجب هذا الإطار، قرر البلدان تعزيزَ التعاون في الصناعات الدفاعية، وفي مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة، والتدريب، والمناورات، والأمن البحري، والدفاع السيبراني، والاتصالات الآمنة، وتبادل المعلومات.
كما وقّع الجانبان اتفاقياتٍ أخرى، شملت إنشاء مجمع لإصلاح السفن في فادينار بولاية غوجارات، في صفقة تهدف إلى دعم الموانئ والبنية التحتية الساحلية، وتعزيز مبادرة «صنع في الهند». كذلك وقّعا اتفاقيةً لإنشاء مجمع حواسيب فائق لدعم طموحات الهند في مجال الذكاء الاصطناعي. وجاءت مواقفُ البلدين متوافقةً في العديد من القضايا الأخرى. ومن أبرز نتائج الزيارة الإعلان عن استثمارات بقيمة خمسة مليارات دولار في الهند، والتي تؤكد التزامَ الإمارات المستدام وطويل الأمد بدعم مسيرة النمو الاقتصادي للهند.
 ومن أبرز الرسائل التي انبثقت عن الاجتماع ضرورة ضمان «مرور آمن وحركة ملاحية سلسة عبر مضيق هرمز» في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. ويؤكد هذا الموقفُ الهندي على أن الإمارات أصبحت شريكاً استراتيجياً هاماً للهند، والعكس صحيح. وقد اكتسبت العلاقةُ طابعاً استراتيجياً وتعمقت على مر السنين، وتوسع التعاون ليشمل عدة مجالات من التكنولوجيا الناشئة إلى التجارة والموانئ والتكنولوجيا المالية والأمن الغذائي والدفاع، إضافة إلى الجالية الهندية في الإمارات، التي تُعد رابطاً قوياً بين الدولتين.
ولقد ولّت الأيام التي كان يُنظر فيها إلى علاقات الهند بدول الخليج من منظور التحويلات المالية والعمالة الوافدة فقط، إذ مع تصاعد الصراع في المنطقة، أظهرت العلاقاتُ الهنديةُ الإماراتيةُ بوضوح أن جذورها أعمق، وأن التعاون بين الجانبين يتوسع في مجالات متعددة، بفضل الثقة الكبيرة والمتبادلة بينهما. كما يتعاون البلدان بشكل وثيق في ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، انطلاقاً من قلقهما المشترك تجاه استقرار الشرق الأوسط ومنطقة المحيط الهندي الأوسع.
ورغم أن الإمارات تُعد من أهم الشركاء التجاريين للهند، حيث تُعتبر الهند مِن أكبر وجهات التصدير والاستثمار بالنسبة للإمارات، فإن الجالية الهندية لا تزال تُشكل عاملاً هاماً يربط بين البلدين. إذ يعيش ويعمل ملايين الهنود في الإمارات، ويؤدون دوراً محورياً في تنمية قطاعات حيوية كالبناء والتعليم والرعاية الصحية.
 وبشكل عام، تحولت العلاقاتُ الهنديةُ الإماراتيةُ مِن شراكة قائمة في معظمها على الطاقة إلى تحالف استراتيجي واسع النطاق، يتشكل بفعل العوامل الاقتصادية والدبلوماسية. وفي ظل عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد، يُتوقع أن يتعزز التعاون بين البلدين، مع إصرار قيادتيهما على تحقيق أقصى إمكاناتهما.

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي



إقرأ المزيد