جريدة الإتحاد - 5/30/2026 11:49:06 PM - GMT (+4 )
اجتمع مسؤولون من ليسوتو، الدولة الجبلية الواقعة شرقي جنوب أفريقيا، مع ممثلين عن الإدارة الأميركية بالعاصمة ماسيرو في نوفمبر الماضي، في مفاوضات استمرت ثلاث ساعات بشأن مستقبل المساعدات الأميركية. وكانت واشنطن قد أوقفت في وقت سابق من العام الجاري تمويل برامج الرعاية الصحية في ليسوتو، التي يبلغ عدد سكانها 2.4 مليون نسمة، ضمن تخفيضات بمليارات الدولارات للمساعدات الدولية، مما هدد حياة آلاف السكان في بلد يُعاني ثاني أعلى معدل إصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، ورابع أعلى معدل إصابة بالسل في العالم، هدد فقدان الدعم حياة الآلاف.
لاستعادة التمويل، فرضت الولايات المتحدة شروطاً جديدة في المقابل شملت المعاملة التفضيلية للشركات والتقنيات الأميركية، والاعتراف بالموافقات الدوائية الأميركية، وإعفاءات ضريبية للشركات الأميركية، إضافة إلى طلب الوصول إلى البيانات الطبية في ليسوتو لمدة 25 عاماً، قبل أن تُخفض هذه المدة لاحقاً إلى خمس سنوات.
ومُنح مسؤولو ليسوتو أسابيع قليلة فقط لتوقيع الاتفاقية، وبعد شهر، أصدرت السفارة الأميركية في ليسوتو بياناً يفيد بتوقيع اتفاقية تقدم الولايات المتحدة بموجبها 232 مليون دولار مساعدات صحية إلى ليسوتو على مدى خمس سنوات، شريطة أن تُساهم الأخيرة بمبلغ 132 مليون دولار من مواردها الخاصة. فيما يعتبر تقليصاً كبيراً للدعم الأميركي، ففي عام 2024 وحده، تلقت ليسوتو نحو 150 مليون دولار مساعدات صحية من وكالات الحكومة الأميركية. وأثار ذلك غضب البرلمانيين بسبب عدم إجراء أي نقاش مسبق حول مذكرة التفاهم، ولم تنشر تفاصيلها أي من الحكومتين بعد توقيعها، مما أثار الجدل حول دستوريتها وحول من سيشرف على تنفيذها، وما إذا كانت ستؤثر على الاتفاقيات الدولية القائمة، أو ما إذا كانت تنتهك قوانين الخصوصية.
وتُظهر هذه الحالة سياسات إدارة ترامب الخاصة بالمساعدات الخارجية، خاصة بعد تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية منذ أكثر من عام، كما أبلغت دولاً أفريقية مجاورة بمطالب غير مسبوقة مقابل المساعدات الأميركية. فقد وافقت إسواتيني على استقبال رعايا دول ثالثة مُرحلين من الولايات المتحدة، بينما صرحت زيمبابوي وزامبيا بأن واشنطن ربطت المساعدات الصحية بالحصول على المعادن، وقد رفضت الدولتان العرض، بينما نفى السفير الأميركي لدى زامبيا أن تحجب بلاده المساعدات إذا لم تحصل على المعادن الأساسية.
وصرح متحدث باسم وزارة الخارجية بأن المباحثات مع ليسوتو كانت «ودية»، وأضاف أن مذكرات التفاهم الموقعة لا تشترط منح الشركات الأميركية «أفضلية» عند شراء السلع أو المعدات الطبية أو خدمات البيانات.
وقالت وزارة الخارجية، إن مذكرة التفاهم تهدف إلى تعزيز سيادة ليسوتو وتسريع مسارها نحو الاكتفاء الذاتي في مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز. ورغم اختفاء أو تخفيف بعض المطالب الأميركية في النسخة الموقعة من المذكرة، تم حجب ملحقان يتعلقان بمشاركة البيانات وتسليم البيانات الطبية عن المسؤولين، مما أثار ذلك مزيداً من المخاوف بشأن تفاصيل البنود التي وافقت عليها ليسوتو.
وأعربت منظمات المجتمع المدني في ليسوتو عن مخاوفها من أن تكون الولايات المتحدة تسعى للحصول على مكاسب خفية، حيث اقترحت الولايات المتحدة اقترحت نقل «مجرمين خطرين» إلى ليسوتو، وهو ما رفضته الحكومة.
وقبل إقرار مذكرات التفاهم، كانت اتفاقيات المساعدات الصحية الخارجية الأميركية تتسم في الغالب بالشفافية والمساءلة، إلا أنه بموجب التوجيهات الأميركية الجديدة، ستبقى أغلب المعلومات الواردة في الاتفاقيات وتفاصيل التقدم الذي أحرزته الدول الشريكة، سرية دون رقابة خارجية.
وتنص اتفاقية الخمس سنوات الجديدة على خفض التمويل الصحي الأميركي تدريجياً مع زيادة مساهمات الدولة الأفريقية. وإذا لم تفِ ليسوتو بالتزاماتها المالية، يمكن للولايات المتحدة خفض التمويل أو إلغاؤه بالكامل، وهو ما يضع ليسوتو في موقف حرج، لاسيما وأنها تعاني بالفعل انخفاضاً في الصادرات، والمبلغ الإضافي الذي وافقت على إنفاقه يعادل تقريباً ميزانية الصحة السنوية.
ولا تملك ليسوتو سوى مصادر دخل محدودة، باستثناء مبيعات صوف الموهير والمياه التي تبيعها لجنوب أفريقيا، والماس وصناعة النسيج المتعثرة، حيث حذرت منظمات محلية من أن الحكومة قد تضطر إلى اقتطاعات كبيرة في الميزانية لتأمين الأموال المطلوبة سنوياً. وينطبق ذلك على جميع دول القارة التي تعاني حالياً من فقدان المساعدات الأميركية.
كما يتزايد قلق المنظمات غير الربحية في ليسوتو من أن تؤثر سياسات الإدارة الأميركية الحالية على الأفراد الذين يحصلون على الرعاية الطبية. فقد ركز التمويل السابق على الفئات المهمشة، ومن يواجهون التمييز في المرافق الصحية الحكومية. ولم تُذكر تلك الفئات في المذكرة الجديدة.
وبينما حققت ليسوتو تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة لتعزيز حقوق المجتمعات المهمشة، فإن نحو 40% من الرعاية الصحية في البلاد تُدار من قبل جمعية الصحة المسيحية، التي لا «تقدم خدمات تتعارض مع تعاليم الكنيسة». لذا، بموجب شروط التمويل الجديدة، هناك مخاوف بأن تواجه الفئات المهمشة صعوبة أكبر في الحصول على الرعاية الصحية.ويرى مدافعون عن الحقوق أن الاتفاق يدفع ليسوتو إلى التخلي عن قيمها ودستورها لصالح أجندة سياسية أميركية، حيث يختتم منتقدو الاتفاق بالقول إنه لا يعزز النظام الصحي في ليسوتو، بل يضعف مؤسسات الدولة ويجسد «تنمراً سياسياً مباشراً».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


