جريدة الإتحاد - 5/31/2026 11:21:02 PM - GMT (+4 )
في رسالته الكنسية الأولى منذ اعتلائه مركز البابوية، ينشر هذه الأيام بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر نصاً هاماً بعنوان «الإنسانية الرائعة» (magnifica humanitas) يستعيد فيه أفكارَ سلفه ليو الثالث عشر الذي أصدر عام 1891 رسالةً بعنوان «الأشياء الجديدة» (rerum novarum)، طرح فيها لأول مرة المنطلقات الاجتماعية للكنيسة في العصر الصناعي الأول.
رسالة البابا الحالي، تركز على تحدي الذكاء الاصطناعي فيما يتعلق بالأخلاق الجوهرية والقانون الطبيعي الناظم للقيم الإنسانية الثابتة. وعلى عادة أسلافه من زعماء الكنيسة الكاثوليكية الذين وقفوا بشدة ضد الانحرافات العدمية لحركة التنوير في نزعتها النسبية واحتفائها بالحرية غير المقيدة والماكينة التقنية المنفصمة عن الأخلاق الطبيعية، يخصص حيزاً هاماً من رسالته لما يهدد البشرية اليوم من انفلات التقنيات الجديدة من التحكم القيمي والقانوني، بما يوشك أن يجرف معنى الإنسانية نفسه. وفي هذا الباب، يدعو إلى الحفاظ على فكرة الحقيقة الكونية والضمير الواعي وحضارة الحب والإيثار.
ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن البابا ليو الرابع عشر لا يتردد في الدعوة إلى عودة الخطاب الكنسي إلى المجال العمومي، لا من أجل أهداف سياسية، ولكن من أجل الدفاع عن القيم الإنسانية المهددة، باعتبار الدين هو خط حماية وصيانة الرابطة الإنسانية العضوية. وفي هذا السياق، يعيد الاعتبارَ لمفهوم «الخير المشترك» الذي كان محوراً أساسياً من محاور الأدبيات اللاهوتية الوسيطة، قبل أن تعاد صياغته في عصر الحداثة من منظور المجال العمومي الذي تحكمه معايير العدالة الإجرائية.
رسالة البابا تعكس الجدل اللاهوتي العقلاني في العصر الليبرالي الحالي في الغرب، وهو جدل يختلف في سياقه ونتائجه عن النقاش الذي بدأ منذ نهاية القرن السادس عشر حول موضوعي «الذاتية التأملية الحرة» و«السيادة المطلقة للدولة». وقد ارتبط المفهوم الأول بالفيلسوف الفرنسي رنيه ديكارت الذي بلور المنهج الرياضي التجريبي بديلاً عن التقاليد السكولاستيكية الوسيطة، بما أبطل عملياً أدبيات المدرسة التومائية (نسبة لتوماس الأكويني) التي كانت متحكمةً في الخطاب الكنسي.
أما المفهوم الثاني، فقد ارتبط بالفيلسوف الانجليزي توماس هوبز الذي كرّس نقل معايير السيادة والتحكم المطلق من الحقل الديني إلى الحقل السياسي، في إطار الولاء للدولة من حيث هي حسب عبارته «إلها هالكا». والنتيجة الكبرى لهذين التحولين البارزين صاغها الفيلسوف الألماني كانط في القرن الثامن عشر، معتبراً أن رسالة الدين هي في عمقها أخلاقية إنسانية، قابلة للترجمة في مضامين عقلانية وقانونية كونية.
لم تتقبل الكنيسة الكاثوليكية في البداية أفكارَ التنوير والعقلانية التجريبية والديمقراطية الليبرالية، بما وضعها في صراع حاد مع الدولة السيادية الحديثة والفلسفات النقدية الجديدة والأيديولوجيات التعبوية الصاعدة.
بيد أن الكنيسة بدأت منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، في بداية الستينيات، الانفتاح على المجتمع المعاصر، رافعةً قيمَ الكرامة الإنسانية والسلام والحوار مع الديانات والفلسفات الأخرى.
وهكذا انقسم الخطاب الكنسي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني إلى اتجاهين، ليبرالي حداثي (من أبرز تياراته لاهوت التحرير والثورة في أميركا اللاتينية)، ومحافظ من ابرز رموزه جوزيف راتسينجر (البابا بنديكت السادس عشر المستقيل) الذي انتقد بشده انحرافات الفكر الليبرالي المعاصر من نسبية ثقافية وأدلجة اللاهوت وضياع معنى المقدس.
لقد أصبح الخط الرسمي للكنيسة في العقود الأخيرة هو الاتجاه الاجتماعي المحافظ الذي يجمع بين نقد الحضارة التقنية الاستهلاكية والدفاع عن قيم القانون الطبيعي بالمنظور التومائي القديم.وبطبيعة الحال، لا يشكل هذا الخط الاتجاهَ الوحيدَ في الفكر المسيحي الغربي، الذي يتوزع بين مسلك تقليدي من أهم مَن صاغه في منتصف القرن الماضي الفيلسوف الفرنسي جاك ماريتان في تطويره للنزعة التومائية الكلاسيكية، ومسلك تفكيكي ليبرالي يرى في انحسار الميتافيزيقا وفي الأفق التأويلي الجديد للمعارف الإنسانية وعوداً جديدة للاهوت يستوعب أفكار الحرية والاختلاف والحداثة (اتجاه الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو).
والمفارقة الجديدة التي عبّرت عنها رسالة البابا ليو الرابع عشر هي أن النزعة الإنسانية الحديثة قامت في الغرب ضد التقليد الديني الكلاسيكي، واليوم أصبحت القيم الدينية هي خط الدفاع الأخيرة عن الفكرة الإنسانية في مواجهة تجاوزات وانحرافات الحضارة التقنية التي يشكل الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي مظهرَها الأبرز. فالخطر المتولد عن تحدي الذكاء الاصطناعي يتمثل في استبدال الإنسان بالآلة ومحو الحدود الطبيعية بين الماكينة التقنية والبشر، مع صعود أيديولوجيات ما بعد الإنسان والتقنية الفاشية.
*أكاديمي موريتاني
إقرأ المزيد


