المؤتمر الدولي لحوار الحضارات والتسامح
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الثورة الرقمية، تتعاظم الحاجة إلى تعزيز ثقافة الحوار والتسامح بوصفهما ركيزتين أساسيتين للاستقرار والتعايش الإنساني. ومن هذا المنطلق، تستضيف أبوظبي أعمال النسخة الثالثة من المؤتمر الدولي لحوار الحضارات والتسامح، خلال الفترة من 3 إلى 5 يونيو 2026، تحت شعار: «تأثير الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي على الحوار الإنساني والتسامح الثقافي». ويجسّد هذا المؤتمر رؤية استشرافية واعية للتحديات والفرص التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة، وما تتركه من تأثيرات عميقة في مفاهيم الهوية والسلم المجتمعي على المستويين المحلي والعالمي.يأتي انعقاد هذا المؤتمر في لحظة زمنية شديدة الحساسية والدلالة، إذ يشهد العالم حالة متزايدة من السيولة الفكرية غير المسبوقة، تتجلى في تصاعد خطابات الكراهية، وانتشار المعلومات المضلّلة، واتساع نفوذ المنصات الرقمية في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام. وفي هذا السياق المعقّد، يغدو الحوار بين الحضارات خياراً استراتيجياً لا غنى عنه، وضرورة حيوية لصون الاستقرار الدولي، ومواجهة نزعات التعصب والانغلاق، وتعزيز أُسس التفاهم والتعايش المشترك بين الشعوب.
وتحمل استضافة دولة الإمارات العربية المتحدة لهذا الحدث دلالات متعددة تعكس تطور نموذجها القائم على الاعتدال والانفتاح والتنوع الثقافي خلال العقود الماضية، وتحوّلها إلى فضاء للتعايش الإنساني يحتضن أكثر من مئتي جنسية، ضمن إطار اجتماعي وقانوني قائم على احترام الاختلاف والتعددية، ويعكس احتضان أبوظبي لهذا المؤتمر انسجاماً واضحاً بين الخطاب والممارسة، ويؤكد أن قيم التسامح في الدولة تُمثّل جزءاً من رؤية وطنية راسخة وتعزز مكانة الدولة كنموذج عالمي للتسامح المستدام على المستوى الدولي المعاصر. 
ويكشف اختيار الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي محوراً للمؤتمر طبيعة التحديات المقبلة، إذ بات الذكاء الاصطناعي عنصراً محورياً في تشكيل الوعي الإنساني، في حين أصبحت منصات الإعلام الرقمي، بما تمتلكه من قدرات تأثير هائلة، قادرة على إنتاج السرديات السياسية والثقافية وإعادة تشكيل مفاهيم الحقيقة والهوية والانتماء الإنساني، ويكمن مكمن الخطورة في أن هذه الأدوات قد تتحول إلى وسائل لتعزيز التقارب الإنساني ونشر المعرفة من جهة، أو إلى أدوات لتأجيج الانقسامات والتطرف من جهة أخرى بشكل متزايد في الواقع المعاصر.
ومن المتوقع أن يطرح المؤتمر نقاشات عميقة حول العلاقة المركبة بين التكنولوجيا والقيم الإنسانية، خاصة في ظل الجدل العالمي المتزايد بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي، كما أن المؤتمر يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بكيفية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لخدمة الحوار بين الثقافات، ومواجهة حملات التحريض الرقمي وخطابات الكراهية العابرة للحدود.
وتتجلى أهمية المؤتمر كذلك في كونه يربط بين البعدين الحضاري والتقني في آن واحد. فالعالم اليوم لا يواجه أزمة تكنولوجية بقدر ما يواجه أزمة استخدام للتكنولوجيا. ومن هنا، فإن النقاش حول الذكاء الاصطناعي أصبح يرتبط بشكل مباشر بمستقبل القيم الإنسانية ذاتها. ولذلك، فإن طرح قضية التسامح والحوار في سياق الثورة الرقمية يعكس طبيعة التفكير الاستراتيجي الدولي، حيث باتت حماية التماسك المجتمعي تتطلب مقاربات جديدة تتعامل مع الفضاء الإلكتروني باعتباره ساحة مركزية للصراع الفكري والثقافي.
أما على مستوى النتائج المرتقبة، فمن المتوقع أن يسهم المؤتمر في بلورة رؤى مشتركة حول سبل توظيف الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي لتعزيز التقارب بين الشعوب، إلى جانب الخروج بتوصيات تتعلق بوضع أُطر أخلاقية ومهنية أكثر وضوحاً لتنظيم المحتوى الرقمي والحدّ من توظيف التكنولوجيا في نشر التطرف والتحريض. كما يُنتظر أن يفتح المؤتمر المجال أمام بناء شراكات دولية بين المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والتكنولوجية بهدف تطوير مبادرات عابرة للحدود تعزّز ثقافة الحوار والتفاهم الإنساني.
وفي الختام، بينما تتجه التكنولوجيا إلى إعادة تشكيل العالم بوتيرة متسارعة، تبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ منظومة أخلاقية وإنسانية تضمن أن يبقى التطور التقني في خدمة الإنسان، لا أداة لتفكيكه أو عزله. ومن هذا المنطلق، تكتسب النسخة الثالثة من المؤتمر الدولي لحوار الحضارات والتسامح أهمية استثنائية، بوصفها مبادرة جادة لإعادة الاعتبار لقيم الحوار والتفاهم الإنساني في عصر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، بما يسهم في بناء مستقبل أكثر عدالةً وتسامحاً وتوازناً بين التقدم التقني والكرامة الإنسانية المشتركة.



إقرأ المزيد