التفاعلات الدولية.. الترابط والتداعيات
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لا شك أن ثمة ترابطاً وثيقاً بين التفاعلات الدولية، خاصة في زمن الثورة التكنولوجية الفائقة التي طالت كل شيء من قضايا التسليح إلى آليات الاتصال وغيرها، ويُفضي هذا الترابط إلى نوعين من التأثير: إما أن تؤثر تطورات دولية مهمة في إقليم ما على التطورات في أقاليم أخرى، كما حدث مثلاً من تداعيات للسياسات الجديدة للزعيم السوفييتي جورباتشوف (1985-1991) على النظم الحليفة للاتحاد السوفييتي في أوروبا الشرقية التي انهار جميعها، وهو ما حدث كذلك بالنسبة للنظام الحاكم في جنوب اليمن الذي كان يتبنى الماركسية-اللينينية في دستوره، فانتهى به الحال لقبول الوحدة مع الشمال عام 1990، والتخلي عن هذا النظام.
 أما النوع الثاني من تأثيرات ترابط التفاعلات الدولية، فيتمثل في أن تفضي أحداث دولية مهمة إلى انحسار الاهتمام بأحداث أخرى رغم أهميتها، وذلك لأن نظاماً للأولويات يتكون بحيث تستأثر قضية بعينها بالاهتمام على حساب قضايا أخرى، وقد يكون تراجع الاهتمام بقضية ما على حساب اعتبارات العدالة، غير أنه مع تعدد القضايا الملحة في الساحة الدولية ومحدودية الموارد المادية والمعنوية المخصّصة لإدارتها يبدو مؤكداً أن تقفز صراعات بعينها إلى صدارة قائمة الاهتمامات الدولية وتتراجع أخرى.
 ومن أكثر الأمثلة دلالة في هذا الصدد حالة التدخل السوفييتي في المجر لقمع حركة المعارضة للنظام الشيوعي فيها الموالي للاتحاد السوفييتي، حيث تزامن هذا التدخل الذي بدأ في 4 نوفمبر1956 مع ذروة الاهتمام العالمي بالعدوان الثلاثي على مصر الذي كان قد بدأ قبله بأربعة أيام، ورغم ارتباط أحداث المجر بجوهر الصراع بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي فيما عُرِف بالحرب الباردة، فإنها لم تحظ بعُشر ما حظيت به حرب السويس من اهتمام، فقد عارضها كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة لاعتبارات تتعلق بترسيخ الملامح الجديدة للقيادة الثنائية الأميركية والسوفييتية الصاعدة للنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وهكذا فإنه بينما قامت قيامة الدنيا ولم تقعد بعد بدء العدوان على مصر عربياً ودولياً مرت أحداث التدخل السوفييتي في المجر بسلاسة نسبية، وحقق التدخل أهدافه فيما أخفق العدوان الثلاثي على مصر في تحقيق أي من أهدافه، وكان نهاية لحقبة وتأكيداً لتبلور نظام القطبية الثنائية كصيغة جديدة لقيادة النظام الدولي.
ويمكن القول إن تأثيرات مشابهة قد ترتبت على المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران، فقد كان لهذه المواجهة تداعيات شديدة الوضوح تتصل بالأمن العالمي.
 ويكفي أن نتذكر التداعيات على إمدادات الطاقة على سبيل المثال، وهي قضية بالغة الحيوية لجميع دول العالم غير المكتفية ذاتياً من مصادر الطاقة، ومنها دولة تنافس على أن يكون لها مكان معترف به في القمة الدولية كالصين، فضلاً عن تأثير الحرب على إمدادات الأسمدة التي نقص المعروض منها بحوالي الثلث، وارتفعت أسعارها بنسب تتراوح بين 40 و90 في المائة، والأمثلة كثيرة.
 ونظراً لأن الولايات المتحدة تُعَد الفاعل الرئيسي في المواجهة الحالية، وانشغال الرئيس ترامب بحسم خياره بين التسوية والتصعيد، فقد كان طبيعياً أن يتأثر اهتمامه بالقضايا الصراعية الأخرى رغم دوره المحوري فيها، وقد كان كما نعلم صاحب مبادرة غير تقليدية لتسوية الحرب في أوكرانيا، كما احتكر ملف التسوية في غزة، لكن هذا كله بات معلقاً بحسم الصراع مع إيران.

*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة



إقرأ المزيد