الحدود الشّفافة لإيران
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تمتدُّ إيران على مساحة تقارب 1.64 مليون كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها نحو 93.2 مليون نسمة، وتقع في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، حيث تملك ثروة نفط وغاز هائلة ومعادن استراتيجية، كما تصدّر مجموعة واسعة من المنتجات البتروكيميائية، وتتحكم جغرافياً في أحد أهم الممرات البحرية الدولية، وهو مضيق هرمز. ولم يستخدم النظام الإيراني هذه الثروات في التنمية الداخلية، بل وجّهها لتوسيع نفوذه والتدخل في شؤون دول المنطقة، وصناعة الميليشيات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة الوطنية. 
منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، عمل النظام الإيراني على خلق هوية موازية عابرة للحدود، جعلت العديد من مواطني الدول الأخرى ينتمون للعمق والأمن العقائدي الإيراني بدلاً من الدول التي يعيشون فيها، ما يهدّد استقرار هذه الدول. وهنا تشكّلت لدى صنّاع القرار في طهران رؤية مختلفة للأمن القومي، فالدولة الوطنية وفق هذا التصور لا تبدأ من الحدود الرسمية للدول، بل من البيئة الأيديولوجية المحيطة بها. ومن هنا ظهر مفهوم العُمق الاستراتيجي الروحي الذي سعت إيران إلى استغلاله وتوظيفه بعد بنائه عبر عقود طويلة، ليس من خلال التوسع العسكري التقليدي، وإنما عبر شبكات معقّدة من العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية ومحاولتها أن تكون لاعباً إقليمياً، وهو ما يرفضه الإقليم قبل أن ترفضه الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
ومكمن الخطورة يتمثل في استخدام الهوية الدينية كأداة قوة ونفوذ خارجي، ما جعل إيران تتحكم في بعض المجتمعات بالأفكار والمشاعر عن بُعد، دون الحاجة للتواصل المباشر من خلال المرجعيات والحوزات والمقدسات والزيارات الدينية، وإنْ كان ليس كل شيعي اثني عشري يتبنّى نموذج ولاية الفقيه بطبيعة الحال. فبدلاً من أن تتوقف المصالح الإيرانية عند نقاط العبور الحدودية، أصبحت تمتدُّ إلى مناطق متعددة من الشرق الأوسط، بل وإلى أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية والوسطى ومنطقة البحر الكاريبي من خلال شبكات تأثير متنوعة، مستفيدةً من الروابط السياسية والدينية والاقتصادية والأمنية التي بنتها خلال العقود الماضية.
ولا يقتصر مفهوم الحدود الشفافة على الجانب الأمني فقط، فإيران تمتلك اقتصاداً يبلغ حجمه نحو 475 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي، ورغم العقوبات الدولية المتواصلة، ما زالت تحتفظ بقدرة ملحوظة على التكيف وإيجاد قنوات تجارية وتمويلية بديلة. 
ومن اللافت أن النفوذ الإيراني المزِّعزع لاستقرار المنطقة، لا يتحرك عبر الأدوات الصلبة فقط، بل يعتمد كذلك على ما يُعرف بالقوة الشبكية. ففي عالم اليوم، يمكن للمعلومات والاتصالات والتجارة والاستثمارات والعلاقات الاجتماعية أن تحقق للدول تأثيراً يعادل أحياناً تأثير القوة العسكرية التقليدية. ولهذا السبب استثمرت إيران في بناء شبكات إعلامية وثقافية وتعليمية ودينية عابرة للحدود.
وتبرز أهمية هذا النموذج بصورة أوضح عند النظر إلى مضيق هرمز، فالتقديرات الدولية تشير إلى أن نسبة كبيرة من تجارة النفط المنقولة بحراً تمرُّ عبر هذا الممر الحيوي. وبذلك لا تصبح الجغرافيا مجرد عنصر ثابت، بل تتحول إلى أداة تأثير سياسي واقتصادي تمتد آثارها إلى الأسواق العالمية. ولهذا فإن أي توتّر أمني في هذه المنطقة ينعكس فوراً على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

من جانب آخر، قام النظام الإيراني بعسكرة المذهب وأصبحت الدولة في إيران تدار من خلايا غير مركزية أو تم التسويق لها كذلك، وتم ادعاء ذلك لتدبير الإعمال الإجرامية ضد دول الجوار، في ظل فكر سياسي يعتمد على مفهوم ولاية الفقيه، ومركزية السلطة العليا، وارتباط المؤسسات العسكرية بالمرشد الأعلى، بما في ذلك التنفيذ العملياتي التكتيكي والقيادات المناطقية الموزّعة لزيادة القدرة على استمرار الحرب وتشتيت جهود الخصوم. وإن مفهوم الحدود الشفافة لا يصف إيران وحدها، بل يعكس طبيعة النظام الدولي المعاصر، حيث أصبحت الحدود أقل قدرة على احتواء النفوذ، وأصبحت القوة الحقيقية للدول مرتبطة بقدرتها على التأثير في الأحداث خارج نطاق سيادتها المباشرة، حيث يتحول النفوذ من مفهوم جغرافي تقليدي إلى شبكة واسعة من العلاقات والتأثيرات التي تمتدّ عبر المنطقة بأكملها، دون أن تترك أثراً إثناء عبورها.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات. 



إقرأ المزيد