جريدة الإتحاد - 6/3/2026 11:32:37 PM - GMT (+4 )
عندما تحدّث معالي الدكتور أنور قرقاش عن حالة التنمر السياسي والإعلامي التي تمارسها إيران تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة، فهو لا يتوقف عند واقعة عابرة أو تصريح منفصل عن سياقه، بل يُشير إلى نمط متكرر في الخطاب السياسي الإيراني تجاه دولة اختارت لنفسها طريقاً مختلفاً، يقوم على البناء والعمل والانفتاح وصناعة المستقبل.
هذا الخطاب لا يمكن فهمه فقط بوصفه خلافاً حول موقف سياسي محدّد، أو اعتراضاً على سياسة بعينها. في جوهره، يبدو أقرب إلى قلق من نموذج عربي استطاع خلال عقود قليلة أن يُثبت حضوره، لا بالصوت العالي، بل بالنتائج. فالإمارات لم تقدم نفسها للعالم من خلال الشعارات، وإنما من خلال تجربة تنموية يمكن قياسها في الاقتصاد والتعليم، والصحة، والبنية التحتية، وجودة الحياة، وحضورها المتقدم في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة.
ما يزعج إيران في تقديري، ليس موقفاً سياسياً واحداً، بل التجربة الإماراتية نفسها، لأنها تناقض منطقاً آخر يقوم على الأيديولوجيا وتوسيع النفوذ الإقليمي، واستخدام الأزمات كأدوات ضغط في دول الجوار. لذلك يُصبح نجاح الإمارات في نظر هذا الخطاب، مصدر إرباك دائم، لأنه يكشف أن قوة الدول لا تصنعها الشعارات، ولا القدرة على إثارة الاضطرابات، لكن تصنعها الإدارة الرشيدة، والمؤسَّسات المستقرّة، والاستثمار في الإنسان.
قبل أكثر من أربعة وخمسين عاماً، كانت الإمارات تبدأ خطواتها الأولى في بناء الدولة. لم تكن المسألة يومها مجرد امتلاك موارد، فدول كثيرة امتلكت النفط والغاز والثروات الطبيعية، لكنها لم تستطع أن تحوّلها إلى نهضة حقيقية مستدامة. الفارق كان في الرؤية التي تُحلِّل وتُجيب عن أسئلة محورية مهمة، منها على سبيل المثال:
كيف تُدار الثروة؟ كيف تتحول إلى تعليم وصحة، وفرص عمل، وبنية تحتية ومؤسّسات؟ كيف يُصبح الإنسان هو مركز المشروع الوطني، لا مجرد رقم في معادلة اقتصادية؟
هنا تحديداً تظهر المسافة بين نموذجين. فالإمارات اختارت أن تجعل من التنمية مشروعاً وطنياً شاملاً، يضم المواطن والمقيم، ويربط الاستقرار بجودة الحياة، والاقتصاد بالمعرفة، والنهضة ببناء الإنسان. أما إيران، فرغم ما تمتلكه من موارد وإمكانات بشرية وتاريخ حضاري كبير، فقد استنزفها مسار سياسي قائم على الصراع وتوسيع النفوذ والاشتباك المستمر مع محيطها.
الأرقام تكشف جانباً من هذا الفارق. فبحسب بيانات البنك الدولي لعام 2024، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات نحو 552 مليار دولار، مقابل نحو 475 مليار دولار لإيران. والأكثر دلالة أن نصيب الفرد من الناتج المحلي في الإمارات بلغ قرابة 50 ألف دولار سنوياً، مقابل نحو 5 آلاف دولار في إيران. وهذه ليست مجرد أرقام اقتصادية جامدة، بل مؤشرات على قُدرة الدولة على تحويل مواردها إلى مصدر رفاهية لمواطنيها وفرص واستقرار.
وفي مؤشر التنمية البشرية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2025، جاءت الإمارات في المرتبة الخامسة عشرة عالمياً، بينما جاءت إيران في المرتبة الخامسة والسبعين. أما في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025، الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، فقد جاءت الإمارات في المركز الثلاثين عالمياً، مقابل المركز السبعين لإيران. وهذه المؤشرات، مجتمعةً، تقول شيئاً واحداً هو أن الثروة وحدها لا تكفي، والموارد لا تصنع المستقبل إذا غابت الإدارة والرؤية والمؤسّسات.
من هنا، لا تبدو المقارنة بين الإمارات وإيران مقارنة بين دولتين تملكان موارد متفاوتة فقط، بل بين طريقتين في فهم الدولة نفسها. هناك من يرى الثروة مسؤولية وطنية يجب أن تتحول إلى تعليم وصحة وبنية تحتية وفرص عمل وحياة أفضل للناس، وهناك من يستهلك جانباً كبيراً من موارده في صراعات النفوذ والخطاب الأيديولوجي والتمدد خارج الحدود.
لذلك فإن استهداف الإمارات ليس منفصلاً عن نجاحها. فكلما تقدّمت الدولة في مؤشرات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي، وكلما رسّخت صورتها بوصفها دولة استقرار وانفتاح، أصبحت المقارنة أكثر إزعاجاً لمن لم ينجح في تقديم نموذج بديل.
قوة الإمارات اليوم ليست قوة اقتصادية فقط، بل قوة مركّبة، اقتصاد يعمل بكفاءة، وقيادة تملك رؤية واضحة، ومؤسّسات قادرة، ومجتمع مُستقرّ، وحضور دولي وإنساني متنام. هذه العناصر مجتمعة صنعت ما يمكن تسميته بالقوة الناعمة الإماراتية، قوة لا تفرض نفسها بالشعارات، بل بالنتائج، ولا تطلب الاعتراف بالصوت المرتفع، بل تنتزعه بالإنجاز.
ولهذا تبدو الإمارات اليوم أكثر من مجرد دولة ناجحة في محيط مضطرب، إنها دليل عملي على أن بناء المستقبل ممكن حين تكون الدولة واضحة في أولوياتها، واثقة في قيادتها، مؤمنة بإنسانها، ومُخلصة لفكرة العمل. وقد يكون هذا تحديداً ما يُثير قلق مَن اعتادوا أن يغطوا إخفاقاتهم بالضجيج.
حفظ الله دولة الإمارات، وحفظ صاحب السمو الشيخ محمد بن زاید آل نهیان، رئيس الدولة، الذي يقود الوطن برؤية جعلت من الإمارات دولة واثقة، قوية، ومتقدمة حاضرة في مسار التنمية الإنسانية بما تُنجزه، لا بما تقوله فقط.
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.
إقرأ المزيد


