جريدة الإتحاد - 6/3/2026 11:49:57 PM - GMT (+4 )
كشفت قُرعة كأس العالم، التي أُقيمت في ديسمبر الماضي بمركز ترامب كينيدي في واشنطن، عن وعود وتحديات قد تفرضها دبلوماسية كرة القدم خلال البطولة المقرر انطلاقها في 11 يونيو الجاري.
وظهر ثلاثة من قادة العالم على المنصة، ممثّلين الدول المضيفة للبطولة في هذه النسخة الثلاثية الأولى من نوعها: الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم، ورئيس وزراء كندا مارك كارني.
ولم تكن العلاقة ودّية بين ترامب والزعيمين الآخرين، بعد أن لوّح بالتدخل العسكري في المكسيك وضم كندا، في ظل مزاعمه بالهيمنة على نصف الكرة الغربي بأكمله، من فنزويلا وكوبا إلى غرينلاند.
وعندما منح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) استضافة كأس العالم 2026 للدول الثلاث المتنافسة خلال ولاية ترامب الأولى، كان من المفترض أن يُبرز تعاونهم التكامل بين دول أميركا الشمالية. وكان شعارهم المبكّر والمتفائل: «متّحدون ككيان واحد».
لكن ذلك لم يَعُد منطقياً خلال ولاية ترامب الثانية، حيث حلّت الحروب التجارية المتقطّعة محل الآمال إقامة منطقة التجارة الحرة. وأصبح شعار الفيفا الرسمي الآن «نحن 26». ودخلت السياسة القارية في حالة جمود، وأصبح كارني قائداً بارزا في المقاومة العالمية ضد الظاهرة الترامبية.
ومع ذلك، تُتيح كرة القدم فُرصاً دبلوماسية غير ممكنة للأمم المتحدة ولا حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ولا البنك الدولي، ولا مجموعة العشرين، ولا أي منظمة مماثلة. وهذا ما اتضح خلال تلك القرعة، حيث أظهر شينباوم وكارني حماساً كبيراً بجانب ترامب، حيث سحبا أسماء الدول لتوزيع المجموعات كما لو كانوا في برنامج مسابقات. ثم انسحب الثلاثة إلى غرفة خاصة لإجراء محادثة ثلاثية.
وبذلك، تُعد كرة القدم أداة مثالية لتوفير ما يُسميه الدبلوماسيون «التواصل غير الرسمي المنظم». صحيح أن تنس الطاولة والكريكيت وغيرها من الرياضات قد ساهمت في رأب الصدع، لكن كرة القدم تتمتع بميزة فريدة من نوعها لأنها تحظى باهتمام وحب الكثيرين. وكما يقول ترافيس مورفي، السياسي المخضرم في وزارة الخارجية الأميركية، والذي يُدير الآن شركة تُعنى بتعزيز الدبلوماسية الرياضية، إن المشجعين واللاعبين ينقسمون في المدرجات وعلى أرض الملعب على حسب فرقهم المختلفة، لكنهم يتّحدون في شغفهم بالرياضة، كما يضيف أن كرة القدم تُعد «أكثر أدوات التقريب فعالية على الساحة الدولية».
لكن على القادة أن يُدركوا قيمة تلك الأداة، كما يتعيّن عليهم أن يبرعوا في استخدامها. لكن المشكلة تكمن بشأن ترامب الذي قد يُسيء فهم كأس العالم، كما حدث خلال احتفالات الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، وغيرها من الأحداث التي حاول تصويرها وكأنها تدور حوله شخصياً. وقد حملت مراسم ديسمبر نذير شؤم، حيث منح رئيس الفيفا المُتملق ترامب «جائزة سلام» مُستحدثة ومُذهبة بشكل مبالغ فيه.
وكان الهدف من تلك اللفتة واضحاً وهو تملق ترامب، لاسيما بعد إخفاقه في الفوز بجائزة السلام الحقيقية التي تُمنح في أوسلو. إلا أن مجتمع كرة القدم العالمي شعر بالحرج من هذا التملق المفرط. وزاد الأمر سوءاً مع مرور الوقت، بعدما تخلّى ترامب عن صورته كشخصية سلمية وبدأ يشنّ صراعات تمتدُّ من منطقة البحر الكاريبي إلى الشرق الأوسط.
وترى هيذر ديختر، أستاذة الدراسات الرياضية في جامعة دي مونتفورت البريطانية، أن هذا النوع من الدبلوماسية قد ينقلب أحياناً لنتائج عكسية. فكما تستطيع كرة القدم إضفاء طابع إنساني على الخصوم وإذابة جليد العداوات، يمكنها أيضاً تأجيج النزعات النرجسية والقومية.
ورغم أن التاريخ يزخر بأمثلة على النتائج الإيجابية والسلبية، إلا أن الأمثلة الناجحة أكثر عدداً، فقد أثبتت كرة القدم قدرتها على تجاوز النزاعات الوطنية خلال «هدنة عيد الميلاد» الشهيرة عام 1914، عندما أوقف جنود ألمان وبريطانيون إطلاق النار مؤقتاً خلال الحرب العالمية الأولى وخاضوا مباراة ودّية بين الخنادق. ومنذ ذلك الحين، استخدمت دول عديدة كرة القدم لتجاوز عداوات الماضي.
وفي عام 2008، سادت خلافات حادّة بين تركيا وأرمينيا وانقطعت علاقاتهما الدبلوماسية على خلفية مجازر وقعت في عهد الدولة العثمانية. إلا أن الرئيس الأرميني آنذاك دعا نظيره التركي إلى حضور مباراة التصفيات المؤهلة لكأس العالم بين منتخبي البلدين، مما قادهما لأول تبادل للزيارات الرسمية بين الجانبين، ثم إلى «بروتوكولات زيوريخ» التي دشّنت تطبيع العلاقات الثنائية.
وشهدت العلاقات بين الكوريتين وألمانيا خلال الحرب الباردة وبعدها انفراجات مماثلة، مع دلالة رمزية خاصة لاستضافة كأس العالم معاً، وهو أمر لم يحدث سوى مرة واحدة عندما تعاونت اليابان وكوريا الجنوبية في كأس العالم 2002، متجاوزتين تاريخاً مؤلماً من الصراع، وممهّدتين الطريق لشراكتهما.
وكان المثال الأكثر تأثيراً في سياق الحرب المستمرة في الشرق الأوسط، هو المباراة التي جمعت الولايات المتحدة وإيران خلال كأس العالم 1998 في فرنسا. فقد دخل لاعبو العدوّتين اللدودتين إلى الملعب وسط قلق جماهيري شديد. لكن الفريقين التقطا صورة جماعية مشتركة، وقدّم اللاعبون الإيرانيون وروداً بيضاء للأميركيين، وشعر الجميع داخل الملعب وخارجه، ربما باستثناء آيات الله، بقدر من الدفء الإنساني. وانتهت المباراة بفوز إيران 2-1، لكن المنتصر الحقيقي كانت اللعبة نفسها.
لكن عندما تسوء الأمور، فإنها تسوء بشدة. ففي عام 1969، التقى منتخبا هندوراس والسلفادور في ملعب أزتيكا الشهير في مكسيكو سيتي، وهو الملعب نفسه الذي يستضيف مباراة الافتتاح العام الحالي بين المكسيك وجنوب أفريقيا. وكانت العلاقات متوتّرة بالفعل بين الجارتين، حيث هاجر المزارعون المهجرون من السلفادور إلى هندوراس بحثاً عن الأراضي الشحيحة. وبعد فوز السلفادور بصعوبة بنتيجة 3-2 في الوقت الإضافي، تصاعدت حدّة التوتر بين البلدين لدرجة أنهما دخلا في حرب استمرت أربعة أيام.
أما بالنسبة لبطولة 2026، فإن احتمالات خيبة الأمل الدبلوماسية هي أكثر ترجيحاً بسبب حرب إيران، ما أدى إلى ترتيبات استثنائية بإقامة المنتخب الإيراني في المكسيك طوال البطولة والتنقل منها إلى مبارياته الثلاث في الولايات المتحدة. كما شُدّدت قيود التأشيرات وغيرها من الإجراءات على مشجّعي عدة دول مشاركة.
وفوق ذلك، فقد أضفى ترامب أجواء بالخوف عبر مداهمات إدارة الهجرة والجمارك والاعتقالات التعسفية والاحتجازات الجماعية، إضافة إلى ارتفاع أسعار التذاكر الذي قد يفسر انخفاض عدد الحجوزات في أغلب المدن الأميركية الـ11 المضيفة للحدث.
أميركا تستضيف 78 مباراة، مقابل 13 مباراة لكل من كندا والمكسيك.
حققت كرة القدم في الماضي إنجازات تصالحية مفاجئة. فما زال بإمكان ترامب وكارني وشينباوم، وقادة آخرين سيحضرون لتشجيع منتخباتهم، استغلال كأس العالم لفتح حوارات قد تجعل العالم أكثر سِلماً. لكن ذلك مشروط بأن يدرك الجميع أن الرياضة تقوم على روح الزمالة لا الهيمنة، وعلى الاحتفاء بالإنسانية، لا بإرضاء الغرور السياسي.
*كاتب متخصص في الشؤون الدولية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


