جريدة الإتحاد - 6/10/2026 11:18:21 AM - GMT (+4 )
العلاقات بين الدول قد تقوى حين تلتقي المصالح، لكنها لا تصبح راسخةً إلا حين تسندها الأخلاق.. والعلاقة المغربية الإماراتية من هذا الصنف النادر، علاقة لها قلب وذاكرة، تاريخ ورجال، مشاريع ومواقف
د. محمد البشاري*
لم يكن اللقاء الأخوي الذي جمع، يوم الثلاثاء 2 يونيو 2026 بالرباط، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بأخيه جلالة الملك محمد السادس، حدثاً بروتوكولياً عابراً في سجل العلاقات الثنائية، بل كان مشهداً مكثفاً لمعنى أعمق من الدبلوماسية، وأرسخ من المصالح، وأصفى من الحسابات الظرفية. إن ما يميّز العلاقات الإماراتية المغربية أنّها لم تولد في مكاتب السياسة الباردة، ولم تُبن على منطق المنفعة العابرة، بل نشأت من إدراك مبكر بأن البلدين يجتمعان في وحدة الرؤية، وصفاء القصد، وعمق الانتماء العربي الإسلامي، والإيمان بأن قوة الأمة لا تُصنع بالشعارات، بل بالثقة، والعمل، والوفاء، وصيانة المصير المشترك. كان المغفور لهما الحسن الثاني والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراهما، قائدين نادرين: كلاهما فَهم الدولةَ باعتبارها بناءً أخلاقياً قبل أن تكون جهازَ حكم، وكلاهما آمن بأن التحالف الحق لا يقوم على الضجيج، بل على الصدق الهادئ، وعلى نصرة الأخ حين تضيق السبل، وعلى تثبيت دعائم الاستقرار حين تتلاطم أمواج المنطقة. ومن ذلك الأصل النبيل، جاء عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وجلالة الملك محمد السادس ليحمل الإرثَ إلى أفق أرحب: من الأخوّة التاريخية إلى الشراكة الاستراتيجية، ومن التضامن السياسي إلى التعاون التنموي، ومن وحدة الموقف إلى وحدة الرؤية في قضايا الأمن والاستقرار والازدهار. ولذلك فإن لقاء الرباط لم يكن مجرد مناسبة لتبادل الرأي حول قضايا الخليج والشرق الأوسط والتحديات الدولية، بل كان تأكيداً جديداً على أن المغرب والإمارات يملكان لغة سياسية مشتركة: لغة الاعتدال، والحكمة، والواقعية، وبناء السلام، وحماية الدولة الوطنية، ومواجهة الفوضى، ورفض العبث بمقدرات الشعوب. ما أعمق دلالة أن تتم هذه الزيارة في الرباط، عاصمة المملكة وذاكرة الدولة المغربية، وأن يوصف المغرب في البلاغ الملكي بأنه «البلد الثاني» لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد. فهذه العبارة وحدها تختصر تاريخاً من المحبة، وتمنح العلاقةَ معناها الوجداني العميق. لقد علّمتنا التجربةُ أن العلاقات بين الدول قد تقوى حين تلتقي المصالح، لكنها لا تصبح راسخة إلا حين تسندها الأخلاق.. والعلاقة الإماراتية المغربية من هذا الصنف النادر، علاقة لها قلب وذاكرة، لها تاريخ ورجال، لها مشاريع ومواقف. ومن هنا، فإن استحضار الشيخ زايد والحسن الثاني ليس عودةً إلى الماضي، بل إضاءةً للحاضر. فالعهد الذي بدأه الراحلان الكبيران لم يكن صفحةً وانتهت، بل منهجاً مستمراً: أن تُبنى العلاقات العربية على الثقة لا على المزايدة، وعلى العمل لا على الخطابة، وعلى حفظ الاستقرار لا على صناعة التوتر. واليوم، يواصل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد وجلالة الملك محمد السادس هذا النهج برؤية أكثر اتساعاً، تلائم تحولات العالم، وتدرك أن المرحلة لا تحتمل علاقات شكلية، بل تحتاج إلى تحالفات واعية، صلبة، وصادقة. إن الأخوّة بين الإمارات والمغرب ليست ترفاً سياسياً ولا زينةً خطابيةً، بل ضرورة استراتيجية وأخلاقية في زمن تتعرض فيه المنطقة لاختبارات كبرى. فحين تضطرب خرائط الشرق الأوسط، وحين تشتد المنافسات الدولية، وحين تُستهدف الدولة الوطنية من تيارات الفوضى والتطرف والاختراق، تبدو العلاقة بين أبوظبي والرباط نموذجاً عربياً لما ينبغي أن يكون عليه التحالف: عقلاً هادئاً، ويداً ممدودة، وموقفاً ثابتاً، ورؤية لا تفصل الأمن عن التنمية، ولا السيادة عن التعاون، ولا الأصالة عن التحديث. ولذلك، فإن لقاء الرباط هو رسالة محبة قبل أن يكون خبراً سياسياً، ورسالة طمأنينة قبل أن يكون بياناً دبلوماسياً. رسالته أن العهد مستمر، وأن الوفاء لم ينقطع، وأن ما زرعه الشيخ زايد والحسن الثاني صار اليوم شجرةً وارفةَ الظلال، يرعاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد والملك محمد السادس بحكمة القادة الذين يعرفون قيمةَ التاريخ، ولا يتركون المستقبل للمصادفة. هكذا تبدو العلاقة الإماراتية المغربية: أخوّة في الأصل، شراكة في المسار، وتكامل في المصير. وكلما تجدد اللقاء بين القائدين، تجدد معه اليقين بأن بين الرباط وأبوظبي ميثاقاً غير مكتوب، لكنه حاضر في القلوب والقرارات: أن تبقى المحبة أساساً، والوفاء جسراً، والعمل المشترك طريقاً، وأن يستمر البلدان، بقيادتيهما الحكيمتين، في بناء نموذج عربي رفيع، يثبت أن السياسة حين تستند إلى الأخلاق تصبح أقدر على صناعة التاريخ.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة
إقرأ المزيد


