جريدة الإتحاد - 6/18/2026 11:48:17 PM - GMT (+4 )
لم يعُد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية ناشئة أو مفهوم يرتبط بالمستقبل، بل أصبح أحد أبرز المحركات الرئيسية للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يشهدها العالم اليوم. وخلال سنوات قليلة، انتقلت تطبيقاته من نطاقات محدودة داخل المختبرات والشركات التقنية الكبرى إلى مختلف القطاعات الحيوية، ليؤثر بصورة مباشرة في أساليب العمل والإنتاج واتخاذ القرار.
وفي هذا المشهد العالمي المتغير، تبرز دولة الإمارات نموذجاً رائداً في تبني الذكاء الاصطناعي وتوظيفه ضمن رؤية تنموية شاملة تستهدف بناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة. فقد رسّخت الدولة مكانتها بين أكثر الدول جاهزية للاستفادة من هذه الثورة التقنية، مستندة إلى بنية تحتية متطورة، واستراتيجيات حكومية طموحة، واستثمارات نوعية في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات وتنمية المهارات الرقمية.
وتعكس المؤشرات الدولية حجم التقدم الذي حققته الإمارات في هذا المجال. فقد كشف تقرير «Microsoft AI Diffusion Report Q1 2026» الصادر عن معهد اقتصاد الذكاء الاصطناعي التابع لشركة مايكروسوفت، أن دولة الإمارات سجلت أعلى معدل لاستخدام الذكاء الاصطناعي بين السكان في سن العمل على مستوى العالم، بنسبة بلغت 70.1% خلال الربع الأول من عام 2026. وبذلك أصبحت أول دولة تتجاوز حاجز 70% في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي، متقدمة على عدد من الاقتصادات المتقدمة، مثل سنغافورة والنرويج وأيرلندا والمملكة المتحدة.
كما أظهر التقرير نمواً متسارعاً في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الدولة، إذ ارتفعت النسبة من 59.4% إلى 64%، ثم إلى 70.1% خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي وضع الإمارات في صدارة الدول عالمياً، متجاوزة المتوسط العالمي البالغ 17.8% بأكثر من أربعة أضعاف.
ويعود هذا الأداء الاستثنائي إلى مجموعة من العوامل المتكاملة، في مقدمتها توجيهات القيادة الرشيدة للاستثمار المستمر في البنية التحتية الرقمية، والتوسع في خدمات الحوسبة السحابية، وتطوير المهارات والكفاءات الرقمية، إلى جانب تعزيز بيئة الابتكار. فقد أسهمت هذه السياسات في بناء بيئة تقنية متكاملة سرعت تبني أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات والأعمال والقطاعات الخدمية المختلفة، ما عزّز جاهزيتها للتحوّل الرقمي واسع النطاق.
كما يتزامن هذا التقدم مع توسع ملحوظ في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية داخل الدولة. وكانت شركة مايكروسوفت قد أعلنت خططاً استثمارية تستهدف دعم قدرات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، ما يسهم في توسيع استخدام التطبيقات الذكية بين الأفراد والشركات، وتعزيز دمجها في العمليات اليومية بمختلف القطاعات.
ولا تقتصر أهمية الذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى قطاعات حيوية تمس جودة الحياة ومستقبل التنمية. ففي القطاع الصحي، تسهم الخوارزميات الذكية في تسريع عمليات التشخيص وتحليل الصور الطبية بدقة عالية. وفي قطاع التعليم، تتيح تطبيقات الذكاء الاصطناعي تصميم تجارب تعليمية تتناسب مع قدرات كل طالب واحتياجاته، بما يعزّز جودة العملية التعليمية ويرفع مستويات التحصيل الأكاديمي. كما تلعب هذه التقنيات دوراً متزايداً في تطوير المدن الذكية وإدارة حركة المرور، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة والموارد.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الإمارات تعزيز ريادتها، يكشف التقرير عن وجود فجوة عالمية واضحة بين الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات النامية في مستويات تبني الذكاء الاصطناعي. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، أبرزها ضعف البنية التحتية الرقمية، ومحدودية الاتصال بالإنترنت، ونقص الكفاءات والموارد التقنية اللازمة لتوظيف هذه التكنولوجيا على نطاق واسع.
وتؤكد هذه المؤشرات أن دولة الإمارات تجاوزت مرحلة استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة الدمج الفعلي والشامل لهذه التقنيات في الأنشطة الاقتصادية والمهنية والتعليمية والخدمية. ومع استمرار الاستثمار في الابتكار والتقنيات المتقدمة، تبدو الدولة ماضية بثبات نحو تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي والاستثماري للذكاء الاصطناعي، بما يعزّز ريادتها العالمية ويكرّس مكانتها بين الاقتصادات الرقمية الأكثر تقدماً في العالم.
* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


